الحالة
موضوع مغلق

قدسيه

عضو محترف
التسجيل
1/5/03
المشاركات
636
الإعجابات
0
#1
[c]ترقية العقل والنفس.. مسؤولية مَن؟ [/c]

"د. هاني مكروم"
العقل المتجرد اليقظ يتوجه إلى أعلى، نحو السماء والنور، ولا يجد مبررا عقليا لمعظم الصراعات التي تموج بها الحياة السوقية، أما الشهوات فتتسفل لتغوص باندفاع في وسط الظلمات الحالكة المهلكة، بدون التفكير في العواقب؛ بسبب قصر النظر وعمى البصيرة.
وبما أن الحاجة هي محرك الاختراعات ومولدة الإبداعات فهي التي تحث العقل على النشاط، لذلك تجد الأزمات غالبا ما يعقبها صحوة وبروز للهمم التي كانت كامنة، ويلاحظ أن كثيرا من المخترعات ظهرت في سنوات الحروب. وعلى الجانب المقابل تجد الطمأنينة الزائفة والعواطف الهائمة والبطون المتخمة تسبب كسل العقول المترفة، كل ذلك أو بعضه يحدث ركودا في التفكير يعقبه درجة من درجات الضياع. فمن يشعر بالراحة ويمارس مختلف أنواع الترف والملذات ويركن إليها، لماذا يجهد عقله في التفكير! لكن العاقل يدرك خطورة كسل العقل والركون للترف لانه لا يمكن أن يدوم، والاطمئنان للدنيا انخداع، لذلك فالحذر واجب مدى الحياة؛ لأن توالي الليل والنهار لا يترك حالا على حاله.
وأحيانا ينعم الله على أحبابه بالشدائد وطول المعاناة؛ لصقل عقولهم وتجلية بصائرهم، وكل العظماء حتى الأنبياء قد مروا بأنواع من المعاناة قدرها الله، لترقية نفوسهم وإنضاج فكرهم وتعظيم أخلاقهم وإسباغ نعمة العقل عليهم. فلا نعرف عظيما عاش حياته منعما مترفا؛ لأن الترف المادي يُعين الشهوات على العقل ويعمي البصيرة. وكما أن تحقيق البطولات الرياضية لا يمكن أن يتم بدون معاناة _حتى درجة الألم _ في التمرينات، فالقدرات العقلية أيضاً لا تتحقق بدون معاناة ذهنية وفكرية لدرجة الألم، هذا شرط.
ونظرة سريعة لحياة البعض من صفوة الخلق نلحظ لمحات من المعاناة الطويلة التي عاشوها ليصلوا إلى ما وصلوا إليه من عظمة. فسيدنا نوح "النجار" _عليه السلام _ عانى حوالي ألف عام، ولا نعرف له أبا دللـه أو نعمه، بل نعرف ولدا عاقا وزوجة متعبة وقوما أشد إتعابا. أما إبراهيم _عليه السلام _ فلا نعرف له أبا حنونا عطوفا كعادة الآباء، وفوق ذلك معاناة قوم من صناع وعبدة الأصنام وأصحاب الفكر الضال والخرافات قسوا عليه لدرجة الإحراق.
والنشأة الغريبة لنبي الله موسى _عليه السلام _ في بيت فرعون، لكنه كان في رعاية الله الذي يعوضه عن كل شيء ويحوطه بالعناية التي لا تدانيها عناية،(... وألقيتُ عليكَ محبَّةً منّي ولتُصنَعَ علي عيني)(سورة طه/ 39). ثم يقدر الله له الخروج لينجو بحياته ويعمل في البادية لدى والد الزوج، وفي أقسى الظروف لا يسأل إلا ربه، (... فقالَ: ربِّ إنّي لما أنزلتَ إليَّ من خيرٍ فقير)(سورة القصص/ 24). وهذا رقي في الفهم يحتاج إلى شرح لا يسعه المجال هنا. وبعد ذلك تحمل أعباء الدعوة ومواجهة أعتى الطغاة.
والنشأة اليتيمة للعذراء الطاهرة خير نساء العالمين مريم ابنة عمران _سلام الله عليها _ والأزمة المعنوية التي تعرضت لها حين حملت بدون زواج، كيف ستواجه مجتمع الجهال والغوغائية! (... قالت: يا ليتني مِتُّ قبلَ هذا وكُنتُ نسياً منسيا)(سورة مريم/ 23). عليها سلام الله. إنها أزمة معنوية بدا الموت أخف منها، لكنها حكمة الله هكذا تصنع النفوس البالغة العظيمة.
وهذا ابنها المسيح _عليه الصلاة والسلام _ يأتي للوجود وأمه الطاهرة في قمة الأزمة والمعاناة، ولا أب يرعاه ليوفر له اسباب الرفاهية وجو الحماية المعتادة بين الناس، لكنها حكمة العليم الخبير، فكلنا عياله _سبحانه وتعالى _ ورزقنا عليه لا على البشر، وهو الذي يحفظنا ويرعانا. وتلك آيات ليعتبر بها أولو الألباب؛ لأن الف الاعتماد الظاهر _على البشر يجعلنا نغفل كثيرا عن خالق البشر، فنتعامل مع ظاهر الحقيقة المتوهم فنضل _ ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وهذا الجنين القرشي اليتيم، خاتم الأنبياء والمرسلين ورحمة الله للعالمين _صلى الله عليه وسلم _ يُغيب أبوه في التراب وهو لم يزل جنينا في بطن أمه، فيطل على الدنيا يتيما، وكأن عبد الله بن عبد المطلب كان غاية دوره _السببي _ في الحياة هو توصيل النور المحمدي إلى رحم آمنة بنت وهب فقط لا غير. وآمنة بنت وهب تغادر الدنيا قبل أن يدرك يتيمها من حقائق الدنيا شيئاً، فيواجه متاعب الدنيا وجفاف البادية وقسوة الصحراء وجبال وشعاب البطحاء، وينتقل من بيت إلى بيت كالنسمة الرقيقة، ويؤخذ إلى غار حراء وحيدا تاركا الأهل ومتاع الدنيا، رغم الثراء الذي كان متاحا له من التجارة. وفي رحاب البيت الآمن وسهرات وأسواق ونوادي أم القرى. إنها مرحلة الإعداد النهائي التي سيكلف في ختامها بأمانة حمل الرسالة الخاتمة بين السماء والأرض، ويواجه جبابرة الشرك وتلال الجهل. لكن عناية الرحمن الرحيم الذي لا يغفل ولا ينام تحفظه وترعاه فتغني نفسه _بالحكمة_ عن كل العالمين وتثريها بالعقل المبين، وتغمر كيانه في مؤانسة تخفف عنه آثار المعاناة، وتفتح أبواب السماء، وقرآنا يتنزل من اللوح المحفوظ: (واصبِر لِحُكمِ ربِّكَ فإنَّك بأعيُنِنا)(سورة الطور/ 48). كيف يتيسر له الخلود للراحة ووحي السماء ينزل بالمنهج المطلوب تطبيقه في الحال وقرآن لا تتحمله الجبال.
سنن وحُكم وحكمة: إن العظمة _وكل صفات الكمال والجمال _ لا تصنع بالإرادة البشرية وحدها، ولكنها تصنع بعناية الله في نفوس من يختار من البشر، وهو الأعلم بخلقه. وقد نلمح من ذلك أن المعاناة ليست شرا، كما يرى قصار النظر، بل إن الإعجاز الإلهي يجعلها سببا في صنع النفوس العظيمة. ونعبر من ذلك فنقول بأن معاناة شعب ما لأزمة شديدة تكون فرصة لاغتنام السنن الإلهية في تيسير أسباب صنع العظمة، ولا يتحقق ذلك بدون قيادة رشيدة حكيمة عادلة تقتل الفتن وتضرب بنفسها المثل الصادق في الترفع والزهد والبذل والعطاء فتنال رضى الله وتملك قلوب الناس، وتلك مسألة عقل سليم
 

الحالة
موضوع مغلق

أعلى