Genuine Key


Genuine Key


Moved to new forum, Click Here to register

تم الانتقال للمنتدى الجديد, اضغط هنا للتسجيل
الأهداف التربوية في وصايا لقمان لابنه

إن الحمد لله نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا . من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له . وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله . أما بعد :
فإن الله ، عز وجل ، خلَّد في الذكر المحفوظ مواعظ تربوية ، ووصايا أبوية ، صدرت من مرب حكيم ، وناصح أمين . جوامع كلم ، وفصوص حكم ، تغني عن كثير من النظريات والدراسات ، وتختصر الجهود والأوقات ، بأبلغ عبارة ، وأوضح إشارة . كيف لا ! وقد آتى الله قائلها الحكمة ، ( وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً)(البقرة: من الآية269).
هذا ، وإنا لفي زمن يحتفي كثير من الباحثين في مجال التربية بقول فلان وعلان من اليهود والنصارى والذين لايعلمون ، ولا يرفعون رأساً بقواعد التربية الإيمانية التي بثها الله في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وأجراها على ألسنة رسله ، وصالحي خلقه . لا أقول ذلك غمطاً للتجارب الإنسانية المبذولة في علم التربية والسلوك ، ولكن أسىً وأسفاً على الإعراض عن هدي القرآن ، واتخاذه منهجاً أصيلاً ، ومرجعاً تعرض عليه الأفكار والنظريات .
لقد عالجت سبع آيات في سورة لقمان موقفاً تربوياً يحتاج إليه الآباء والأمهات والمربون والمعلمون لمرحلة حساسة من عمر الناشىء ، ووصَّفت أركان العملية التربوية : المربي ، والهدف ، والأسلوب . فلم يكن القرآن ليغفل هذا الجانب الخطير من حياة البشر دون بيان وتبصير . قال تعالى : ( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)(الأنعام: من الآية38) .

أولاً : المربي :
وصف الله المربي الفاضل في هذه الآيات بالحكمة ، فقال :(وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ) (لقمان: من الآية12) قال ابن فارس : ( الحاء والكاف والميم أصل واحد، وهو المنع .. والحكمة هذا قياسها ، لأنها تمنع من الجهل ) معجم مقاييس اللغة . ص : 258 . وقال ابن منظور : (العلم والفقه ) لسان العرب : 3/270. وقال الراغب:(الحكمة: إصابة الحق بالعلم والعقل ، فالحكمة من الله تعالى : معرفة الأشياء وإيجادها على غاية الإحكام ، ومن الإنسان : معرفة الموجودات ، وفعل الخيرات ، وهذا الذي وُصف به لقمان ) المفردات.ص :126.
فتبين من هذه التعريفات أن الحكمة في التربية وغيره تقوم على ساقين : العلم ، والفقه . وقد نبه على هذا الشيخ عبد الرحمن السعدي ، رحمه الله ، فقال : ( الحكمة : العلم بالحق على وجهه وحكمته ، فهي العلم بالأحكام ، ومعرفة ما فيها من الأسرار والإحكام . فقد يكون الإنسان عالماً ولا يكون حكيماً ، وأما الحكمة ؛ فهي مستلزمة للعلم ، بل وللعمل ، ولهذا فسرت الحكمة بالعلم النافع والعمل الصالح ) تيسير الكريم الرحمن : 3/1350 .
فالمربي الحكيم هو الذي جمع العلم والفهم ، وأتبع ذلك بالعمل ، وحسن التصرف والتأتي ، فكان قدوة صالحة للمتربي . وهذا ما يفسر لنا سر اختلال التربية في كثير من المواقف التربوية ، بسبب اختلال أحد أوصاف المربي ، فيجيء عمله خداجاً .
وليست هذه الأوصاف مخصوصة بالأنبياء ، دون من سواهم من بني آدم ، فإن لقمان ، رحمه الله ، رجل صالح . قال ابن كثير ، رحمه الله : ( اختلف السلف في لقمان ، عليه السلام : هل كان نبياً، أو عبداً صالحاً من غير نبوة ؟ على قولين ، الأكثرون على الثاني ... وإنما ينقل كونه نبياً عن عكرمة ، إن صح السند إليه ، فإنه رواه ابن جرير ، وابن أبي حاتم من حديث وكيع ، عن إسرائيل ، عن جابر ، عن عكرمة فقال : كان لقمان نبياً . وجابر هذا هو ابن زيد الجعفي ، وهو ضعيف . والله أعلم ) تفسير القرآن العظيم :6/334،333 .
ومن مظاهر حكمة المربي مراعاته للخصائص النفسية والعقلية والاجتماعية والمسلكية التي يعيشها المتربي في مرحلة ما ، نلحظ ذلك في الأساليب التالية :
1- أسلوب الموعظة : (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ)(لقمان: من الآية13) .
قال ابن منظور : ( الوعظ ، والعِظة ، والعَظة ، والموعظة : النصح والتذكير بالعواقب ، قال ابن سيده : هو تذكيرك للإنسان بما يلين قلبه من ثواب وعقاب )لسان العرب:15/345 .وشواهده كثيرة.
2- أسلوب التودد : وذلك في تكرار الخطاب بقوله : ( يا بني )
3- أسلوب التدليل والتعليل : كقوله : ()وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) (لقمان:14)
4- أسلوب التنفير من الأعمال المستقبحة : كقوله : (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاس) ،) وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ)(لقمان: الآيتين 18،19)

ثانياً : المتربي :
لم يجيءْ في القرآن وصف لابن لقمان ، سوى وصف البنوة بصيغة التصغير ( يا بني ). والظاهر ، والله أعلم ، أنه حين الموعظة كان قد تعدى مرحلة الطفولة ، التي لا تدرك إلا المحسوسات ، إلى مرحلة المراهقة والبلوغ التي يدرك صاحبها المعاني والمدلولات ، بل ويصح أن توجه له الأوامر والنواهي من التكليفات . كما يلتمس من السياق أنه كان مؤدباً ، مصغياً ، باراً لا يقاطع أباه . ولا ريب أن تفاوت مستوى المستهدفين بالتربية له أكبر الأثر في نتائجها .

ثالثاً : الأهداف :
تضمنت هذه المواعظ الحكيمة زبدة الأهداف التربوية التي ينبغي أن يسعى إليها المربون في هذه المرحلة ، ويقدموها على غيرها ، فيقدمون ما قدم الله ، ويعظمون ما عظم الله ، ويبدءون بما بدأ الله به .
1- التوحيد : (يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)(لقمان: من الآية13)
إن الناشيء ، وهو يترحل من سذاجة الطفولة، إلى مدارج البلوغ، تصحو فطرته ، ويتيقظ عقله، وتتنبه مداركه لاستكناه ما حوله ، والبحث عن المعاني والعلل وراء المظاهر والأشكال ، فتقوده فطرته السليمة إلى الإيمان بالله وتوحيده . ولكن قد يعرض لهذه الفطرة المتوهجة ، والعقل الوقاد، عوارض تحرفها عن المسار الصحيح ، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل أنه قال : ( إني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، وإنهم أتتهم الشياطين ، فاجتالتهم عن دينهم ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم ، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً ) رواه مسلم : 4/2197
إن على المربي أن يغتنم هذه الشفافية الإيمانية ، والصدق الصراح الذي يغمر نفس الناشىء في هذه المرحلة ، ويعمق فيه معاني التوحيد العلمي والعملي؛ بتعريفه أولاً بتوحيد المعرفة والإثبات وما ينبغي لله من صفات الكمال ، ونعوت الجلال ، وما ينزه عنه من صفات النقص والعيب ومماثلة المخلوقين . وثانياً : بتوحيد القصد والطلب ، وإفراد الرب بالعبادة وحده ، والعناية التامة بالعبادات القلبية ؛ كالمحبة ، والخوف ، والرجاء . كما أن على المربي أن يكشف للناشىء بشاعة الشرك بمختلف أنواعه ومظاهره ، ويبين له أنه أظلم الظلم وأعتاه : ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)(لقمان: من الآية13) . فهذا أوان استنبات هذه البذور الصالحة ، وقلبه تربتها القابلة . وستسهم هذه التربية الإيمانية في مطامنة النزعات الانفعالية ، ومعالجة الانحرافات المسلكية ، وإضفاء السكينة عليه . وإن فوات البناء الإيماني في هذه المرحلة لخسران مبين . و لا يصح للمربين أن يفوتوه بدعوى أن بلادنا ، بحمد الله ، خلية من البدع العقدية والعملية ، فإن بند الصيانة غير بند الإنشاء . كما أن الانفتاح الإعلامي يحمل ألواناً لا حصر لها من البدع الوافدة .

2- بر الوالدين وشكرهما : (وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) (لقمان:14) .
إن المراهق لا يدرك في هذه المرحلة قضية الحقوق والواجبات ، ولا يحسن ترتيب الأولويات، فيطيش ميزانه ، ويجترح العقوق والسيئات . فكان من الضروري أن يبصر بالآداب الشرعية ، والقواعد المرعية ، والحقوق الاجتماعية . وأجلها ، بعد حق الله ، حق الوالدين؛ ببرهما، وشكرهما وكيفية معاملتهما في حال الإيمان أو الكفر ، والبر أو الفجور .
إن تنمية هذا الهدف في حس الناشىء سيستتبع احترامه لبقية الحقوق ؛ كحق ذوي الأرحام ، والجيران ، والزوج ، والصاحب ، والولاة ، وسائر المسلمين . وسينشىء عنده حرجاً ، وقلقاً تجاه انتهاك الحقوق ، والتفريط بالواجبات . وهذا أساس متين في التربية الاجتماعية السوية للمراهق .

3- الاتِّباع والانتماء للحق وأهله : ( وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيّ)(لقمان: من الآية15)
يشعر الناشىء بحاجة إلى الانتماء ، والانضمام إلى فئة ما ، يأوي إليها ، و يذب عنها ، ويتحمس لمقاصدها ، مهما بدت تافهة ، كما نلمس ذلك لدى الناشئة المنتمين إلى فرق رياضية . وهي حاجة فطرية ، جبل عليها الآدميون ، بالميل إلى من يجانسهم ، ويشاكلهم . وتكون أقوى ما تكون لدى المراهق ، لكونها تحقق له عنصر الأمن النفسي والاجتماعي ، فيتعين تلبيتها بطريقة صحيحة ، تستثمر طاقاته ، وتحفظ أوقاته من أن تضيع سدى ، أو تعود عليه بالردى .
لا ريب أن المحضن الصالح ، والبيئة النقية التي ينبغي أن يترعرع الناشىء في أعطافها ، بيئة الصالحين ، المنيبين ، السالكين سبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، ولابد أن ينأى به عن سبيل المغضوب عليهم والضالين والغافلين والفسقة والبطالين . إنه من الخطأ الواضح أن يعمد بعض الآباء المشفقين إلى ضرب نطاق محكم حول أبنائهم ، وخفرهم في البيوت ، بدعوى صيانتهم من رفقاء السوء ، فإن ذلك لن يدوم ، ولن يستطيعوا ، وربما ولَّد ذلك عقدة حرمان في ضمير الناشىء ، يتربص للخلاص منها . والتصرف الصحيح أن يُوفر له سبيل آمن ، ومهيع رشيد ، يقضي فيه نهمته ، ويفرغ فيه جهده وهمته ، وسط كوكبة من أقرانه الأخيار ، تحت رعاية من أئمة الهدى والفضل . قال عبد الله بن شوذب : ( إن من نعمة الله على الشاب إذا تنسك ، أن يؤاخي صاحب سنة يحمله عليها ).
ولعل من سبل المنيبين أن يُسلك الناشىء في حلق القرءان ، ومجالس الذكر ، دروس العلم ، ويستفرغ جهده في مناشط البر ، والسعي في المصالح العامة ، كلٌ حسب طاقته ، وفي السياق الطبيعي لمواهبه واستعداداته.ويستطيع المربي الحكيم أن يضع خطى فتاه على الطريق الذي يلائمه.
وكم من إنسان يكتشف الحقيقة ، إن هو اكتشفها ، بعد فوات الأوان ، وانصرام الزمان ، وانحطاط القوى ، وبرود الهمة .فكيف لو اتبع سبيل من أناب، في مقتبل العمر، وفوعة الشباب؟!

4- مراقبة الله : (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) (لقمان:16)
إن من طبيعة الناشيء التقحم ، والطيش ، وعدم التحسب لعواقب الأمور ، مما قد يوقعه في أعمال وأقوال يشقى بآثارها . فكان من المبكر المهم أن يزرع المربي في نفسه شعوراً داخلياً بمراقبة الله ، وخشيته ، يصاحبه في خلوته ، وجلوته ، وسره ، وعلانيته ، يحجزه عما تمليه طبيعة المرحلة من انتهاك الحقوق العامة والخاصة ، سواء ما تعلق بحق الله ، أو ما تعلق بحقوق الناس . بل ورفع درجة التحسس إلى أقصى ما يكون ( مثقال حبة من خردل ) . والنتيجة : أن يكون مؤمناً صالحاً لا مواطناً صالحاً ، فحسب ، فإن المفهوم الغربي للمواطنة يقف عند حد الاصطدام بحقوق الآخرين ، فقط ، يحميها القانون ، بينما تنشيء التربية الإسلامية صلاحاً ذاتياً تجاه النفس والآخرين ، تزعه رقابة الله ، والشعور بدقة علمه ، وسعة إحاطته .
إننا نسمع بين الفينة والفينة دعوات تصدر من كتَّاب ، أو حتى من مختصين ، تنادي برفع الحرج عن نفسية الناشيء ، ونبذ عبارات العيب ، والنقد ، وتركه وشأنه !! وهي دعوى تحتاج إلى فحص ونظر وتفصيل ؛ فزرع الأوهام والمعلومات الكاذبة ، ينتج نفسية معقدة مهزوزة . ولكن خصال الإيمان سياج أمان ، وخوف يعقبه أمن : (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (الأنعام:82) . كما أنه يتعين على المربي أمام المتربي أن يميز الخبيث من الطيب ، وأن يقول للمحسن أحسنت , وللمسيء أسأت ، وفق المعايير الصحيحة .

5- إقام الصلاة : ( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ ) (لقمان:17).
إن الحاجة إلى العبادة حاجة فطرية ، لا تستقيم النفس الانسانية بدونها ، ولا تكون سوية بفقدها :(وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (طـه:124) والصلاة من أعظم صور العبودية التي تلبي هذه الحاجة ، بأذكارها ، وهيئاتها ، إذا هي أديت على وجه الاستقامة ، كما يدل التعبير المطرد في القرءان : ( أقم ، أقيموا ، إقام ، يقيمون ..) . وفي نفس الناشيء توق ، وظمأ لا يطفئه إلا أن يصف قدميه في محرابه ، ويصوب بصره إلى موضع سجوده ، ويناجي ربه ويدعوه أقرب ما يكون إليه وهو ساجد . إنها عبادة ضرورية لحصول الطمأنينة التي ينشدها المراهق . قال صلى الله عليه وسلم : ( والصلاة نور ) رواه مسلم .
إننا في هذه السنيات الأخيرة نلحظ عزوفاً عن الصلاة في أوساط الناشئة ، وتضييعاً لأوقاتها ، وفتوراً في أدائها ، ومهما تعددت الأسباب المفضية إلى ذلك ، فإنه يتعين على المربين أن يحملوا حملة صادقة ، لتعظيم شأن الصلاة في نفوس النشء الصاعد ، وردهم إلى أكناف المساجد ، متذرعين بكافة وسائل الموعظة والتذكير ، وحينذاك ستختفي كثير من السلبيات التي تقض مضاجع الآباء ، والأمهات ، ورجال الحسبة ، وجنود الأمن .

6- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ( وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ )(لقمان: من الآية17)
إن امتلاك روح المبادرة البناءة ، والشجاعة الأدبية ، وصف نادر في صفوف ناشئتنا ، لأسباب متعددة ، لعل من أهمها عدم الدربة ، والخوف من التبكيت . ويعتقد كثير من الناس أن مثل هذه المهمة الإشرافية تفتقر إلى الطعن في العمر ، والتضلع في العلم ، فيستنكرون صدورها من الشاب ، وربما سفهوه ، فينكفيء على نفسه ، ويعود سلبياً ، لا يرى في المنكر بأساً ، ولا يرفع بإنكاره رأساً . وبذلك تضمر هذه النزعة الإيجابية الخيرة ، في موسم خصبها .
وينبغي أن يتفطن المربون إلى أهمية تنمية روح الغيرة العامة ، والرغبة في الإصلاح ، والجرأة المؤدبة لدى الناشيء ، وتقويمها ، وتوجيهها الوجهة الصائبة ، التي تستجمع شروط الأمر والنهي، من : العلم قبله ، والرفق معه ، والصبر بعده . ويحسن القيام بتطبيقات عملية من قبل المربي ، يقتدي بها الناشيء ، حتى يصبح عنصراً فعالاً نافعاً لمجتمعه .

7- الصبر : (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (لقمان:17)
الصبر من أمهات الأخلاق الإنسانية ، ومن أجل الأخلاق الإسلامية ، وأعظمها أجراً ، وأحمدها عاقبة ، في الدنيا والآخرة . وحقيقته حبس النفس عن الجزع ، وحملها على ما تكره. ولهذا فهو أصل تفرعت عنه كثير من الأخلاق الفاضلة ، والمروءات . وفي الحديث : ( وما أعطي ابن آدم عطاءً خيراً وأوسع له من الصبر ) . وهو كغيره من الأخلاق له جانب جبلي ، وجانب كسبي يستفاد بالدربة والرياضة .
ويغلب على حال الناشئة ، سيما في زمن الترف وتيسر سبل العيش ، الهلع ، والجزع ، وسرعة نفاد الصبر . فينبغي أن يكون تقوية هذا الجانب من أهم أهداف التربية ، وأن يُبرز بالبيان والمثال ، والقدوة الحسنة .

8- التنفير من الكبر وازدراء الناس : (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ )(لقمان:18)
هذا مبتدأ جملة من الصفات المسلكية المنحرفة ، تعتري الشباب خاصة ، وتظهر فيهم أكثر من غيرهم . فإن الفتى يزهو بنفسه ، ويعجبه حاله ، فيأنف عن التبسط والاتضاع للخلق ، ويزدريهم . قال ابن جرير : ( وأصل الصعر : داء يأخذ الإبل في أعناقها ، أو رؤوسها ، حتى تلفت أعناقها عن رؤوسها. فيشبه به الرجل المتكبر على الناس.ومنه قول عمرو بن حُنَيٍ التغلبي :
وكنا إذا الجبار صعر خدهأقمنا له من ميله فتقوما ) جامع البيان : 21/74 .
قال ابن كثير : ( لا تعرض بوجهك عن الناس إذا كلمتهم أو كلموك ، احتقاراً منك لهم ، واستكباراً عليهم ، ولكن ألن جانبك ، وابسط وجهك إليهم ، كما جاء في الحديث : ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط ، وإياك وإسبال الإزار ، فإنها من المخيلة ، والمخيلة لا يحبها الله) تفسير القرءان العظيم :6/338 .
و لا يخطيء السمع والبصر عبارات وتصرفات تبدر من ناشئتنا تنم عن ازدراء بعض الناس ؛ إما بسبب ألوانهم ، أو أعراقهم ، أو بلدانهم ، أو غير ذلك ، بل إنه كثير !! ولا بد من رصد هذه القالات ، والممارسات وتأثيمها ، ورد الناشيء إلى جادة العدل والانصاف ، ولو بنوع مخاشنة وتعنيف ، كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم بأحد أصحابه حين قال لبلال : يا ابن السوداء !! فقال : إنك امرؤ فيك جاهلية . فحمله ذلك على أن يضع خده في التراب ويقول لبلال :طأ ! ليخرج مادة الجاهلية العالقة في طبعه ، ويستفرغها .

9- ذم الخيلاء والفخر : ( وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)(لقمان: من الآية18) .
قال ابن كثير : ( مختال : معجب في نفسه . فخور : أي على غيره) تفسير القرءان العظيم :6/339 .
فهما وصفان ذميمان ؛ أحدهما باطني ، والثاني ظاهري . الأول يضر خاصة نفسه ، والثاني يستطيل به على الآخرين بغير حق . وكلاهما مما يقع للناشيء في مقتبل عمره ، وفوعة شبابه .
إن على المربي أن يطامن من غلواء الناشيء ، ويرده إلى حال السواء ، ويبصره بأن معيار الكرامة والفخار التقوى (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُم)(الحجرات: من الآية13) .
وعلى المربي أن يلحظ الحركات واللفتات التي تنم عن هذا الخلق ، كالمشية الفاجرة المتجبرة، التي تروق لبعض شبابنا ، فيبين له قبحها عند الله وعند الناس ، وينقله إلى حال أرقى :

10- الوقار والسمت الحسن : (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِك)(لقمان: من الآية19)
قال ابن كثير : ( امش مشياً مقتصداً ، ليس بالبطيء المتثبط ، ولا بالسريع المفرط ، بل عدلاً وسطاً ، بين بين ) تفسير القرءان العظيم : 6/339 . وما أعجب أن يقع ذلك للشاب !! إنه ليضفي عليه رونقاً وبهاءً وجلالاً . وليس ذلك بممتنع مع دوام التربية والتقويم من مرب ناصح حكيم .

11- اعتدال المنطق ، وأدب الحديث : (وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ)(لقمان: من الآية19)
قال ابن كثير:( لا تبالغ في الكلام، ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه ) تفسير القرءان العظيم :6/339 إن الأعم الأغلب أن الشاب ينزع إلى رفع الصوت ، والتشدق بالكلام ، والتفاصح ، كما هو جلي لدى المراهقين ، الذين يجدون في ذلك تعبيراً عن القوة والسطوة الكاذبة ، فكان بحاجة إلى الغض من الصوت ، والتنفير من رفعه بلا داع ، بمثال مستقبح . قال السعدي : ( أنكر الأصوات : أفظعها وأبشعها ... فلو كان في رفع الصوت البليغ فائدة ومصلحة ، لما اختص بذلك الحمار ، الذي قد علمت خسته وبلادته ) . والحمد لله رب العالمين .

كتبه /د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي
عنيزة . في 7/1/1424 هـ
_________
قال الحسن البصري(الذي يفوق الناس في العلم= جدير بإن يفوقهم في العمل)الأهداف التربوية وصايا لقمان لابنهالأهداف التربوية وصايا لقمان لابنه

المواضيع المشابهه

وصايا لقمان الحكيم

نصائح لقمان لابنه

وصيه خروف لابنه ووصيه اسد لابنه!

من وصايا لقمان الحكيم لأبنه


سلمت يداك
مشكور على المشاركة الرائعة


جزاك الله خيرا واحسانا
بوركت


أدوات الموضوع

الانتقال السريع

منتديات داماس

DamasGate