من ستالين كراد إلى شارع حيفا
حقيقة النصر و الهزيمة
السلام عليكم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله فاطر السماوات و الأرض خالق الموت و الحياة و فالق الحب و النوى الحمد لله ملء السماوات و الأرض و ما بينهما منزل الكتاب مجري السحاب و هازم الأحزاب الحمد لله الذي أنزل على عبده القرآن آيات من الذكر الحكيم من لدن سميع عليم
لا شك أن الحياة صراع و عراك بين قوى الخير وفيالق الشر ينتصر فيها أهل الحق متى ما تمسكوا بهدي خالقهم و نبذوا الفرقة خلف ظهورهم ويعلوا فيها الباطل متى ما غابت راية الحق و خمدت جذوة الخير فيجد إبليس و أعوانه المجال أمامهم ليزرعوا بذور الظلم و يحصدوا أزهار الشر المسودة فتصير الحياة فجوة معتمة و زنزانة مظلمة تفوح منها رائحة الموت و تسبح في داخلها أطياف اليأس الموحشة لكن الحرب لا تحسم من أول معركة والنصر لا شك سيكون حليف الصابرين و الموقنين ؟
تخبرنا صفحات التاريخ أن للحق وثبة و أن للباطل كبوة مهما طال الزمان ولعل العقلاء من الناس يسهل عليهم فك طلاسم المعادلة فتكون الصورة لديهم على درجة من الوضوح تمكنهم من تتبع خيط الضوء الرفيع الذي يقودهم نحو باب الخلاص و يحررهم من أغلال اليأس و القنوط التي تلف أرواح الناس وترسم أمامهم أفقا شاحبا تتمايل حباله القاتلة لتلتف حول رقاب الضعفاء و المترددين
نعم إنها الملامح التي تعلن دون ريب عن قرب ساعة النصر و تصرخ فينا بصوت مدوي أن هبوا فقد حان موعد بزوغ الشمس فللفجر علامات و للنصر دلائل وكم من حدث يمر على الناس دون أن يلقوا له كبير اهتمام و كم من مقدمة لا نحسن قراءتها بسبب تعتيم العدو أو بسبب التسرع الذي يميز طباعنا فل نقف برهة على حدث تداولته وسائل الإعلام على عجالة و زادت عليه بعض الغموض و التدليس فلم نعطيه حقه من التحليل و لم نتوقف عنده كما كان ينبغي لنا أن نفعل ؟؟؟؟؟؟؟؟
إنها معركة شارع حيفا التي دارت رحاها في بغداد الرشيد و تناولتها و سائل الإعلام الغربية في عجالة و لم تعطيها حقها من التغطية لغاية في نفس يعقوب وحدت حدوها القنوات العربية المحسوبة علينا و التي نحسب أنها تتكلم بلساننا وتحمل همومنا على عاتقها ؟؟؟؟؟
كم من حرب ضروس حسمتها معركة فاصلة و كم من جيوش تحفزت و تهيأت للنصر بعد مواجهة خاطفة أو نصر غير محسوب و مفاجئ و كم من جيش انكسر و تفرق بعد أن كان يقف موقف المنتصر حتى أتت عليه ضربة خاطفة نزعت منه روح الثقة و أدخلت عليه شبح الرهبة من عدوه ؟؟؟
ولنا في التاريخ خير العبر و الدروس فمن منا لم يسمع بمدينة ستالين قراد الروسية ومعركتها الشهيرة خلال الحرب الغربية الثانية ؟؟؟؟
زحفت الجيوش النازية نحو الجبهة لشرقية بعد أن سحقت الحلفاء في الغرب و التفت على قواتهم و حطمت خط ماجينو الدفاعي في حركة ذكية خاطفة فتحت الطريق أمام الألمان لدخول باريس وجعلتهم أسياد المعركة دون منازع بعد أن انهارت فرنسا و فر الإنجليز من المواجهة فتحفز هتلر و أمر جنرالات جيشه بفتح جبهة الشرق و غزو الحليف الروسي حتى لا تضيع فرصة النصر و قبل أن تفتر عزائم الجنود الألمان , وهكذا انطلقت رؤوس الجيش النازي المتمركزة في بولونيا و عبرت الحدود نحو كبرى المدن الروسية و استطاعت أن تحقق نصرا سريعا نتيجة عامل المفاجئة ولكن مدينة ستالين قراد وقفت في وجه الزحف النازي و استطاع سكانها و بعض الوحدات العسكرية تنظيم خط دفاعي محكم و قف في وجه الألمان و اجبرهم على التخندق لمحاصرة المدينة ضنا منهم أن عامل الوقت لصالحهم حتى زحف عليهم برد الشتاء و أصبحوا في موقف ضعف بعد أن كانوا هم البادئين بالهجوم و لم يقدر القادة الألمان حجم التحدي و ماطلوا أمام إصرار الروس الذين فهموا المعادلة جيدا و أيقنوا أن سقوط المدينة يعني سقوط البلاد ورغم الجوع و المرض واصل الروس صمودهم وأوقعوا الألمان في فخ محكم معتمدين على طريق فتحوهم وسط الجليد من الجبهة الغربية لتموين المدينة ليلا ونقل الجرحى و صمدوا حتى الربيع وبرز منهم أبطال كثر نفخوا في روح الوحدة الوطنية وأججوا حب الوطن في النفوس وكان قناص المدينة الذي اشتهر من أسباب انهيار الألمان الذين غاصوا في جليد ستالين قراد ولم يعرفوا سبيلا للخلاص من كابوس صار يؤرقهم وبدؤوا في التقهقر أمام الجيش الأحمر حتى دخل هذا الأخير برلين عام 1945
فهذه المعركة لم يعرها الألمان في البداية كبير اهتمام ولم تكن ذات رمزية تذكر فقد اعتبرها المراقبون في بداية الأمر مجرد بؤرة مقاومة سرعان ما ستنهار أمام زحف الألمان و قسوة قادتهم الذين كثيرا ما عمدوا إلى قصف المدن بشكل مكثف لإجبار سكانها على الاستسلام ,ولم يكن في الحسبان أن هذه المدينة سببت للألمان صدمة نفسية أفقدتهم الثقة في النفس التي كانت عمود مخططهم فقد ركزت الدعاية الألمانية النازية على زرع روح الإحساس بالتفوق عند الجندي الألماني الذي أصبح يشعر أن النصر طبيعة ثابتة فيه و أن باقي شعوب الأرض أقل ذكاء و شجاعة منه ولكن الأمر كان غاية في الحساسية فهذه النظرية العنصرية خلقت فعلا جيشا قويا لكنه غير مطعم ضد أية هزيمة محتملة حيث انهار الجندي الألماني معنويا و دخله الشك حين رأى أن من يؤمن أنهم أقل منه عرقيا قد ألحقوا به الهزيمة فتزعزعت ثقته في قادته الذين طالما ظن أنهم بشر فوق كل البشر و أنهم سيحملونه نحو قيادة العالم .
نعم كانت معركة ستالين قراد كغيرها من المعارك بمنظور عسكري محض وكانت الهزيمة مقبولة الكلفة ولم تكن لتسبب هذا الانهيار للجيش الألماني على طول الجبهة الشرقية لو لم تكن حربا مبادئ و إيمانيات , نعم فلكل جيش مبادئ يؤمن بها فقد كان الروس في نظر الجندي الألماني بشر من درجة ثانية فسبب له الفشل أمامهم عقدة مزمنة و شكا قاتلا هداما قلب روحه المعنوية رأسا على عقب و افقده الثقة في قادته العسكريين و جعله يكفر بروح الجندية النازية التي تربى عليها فانهار أمام زحف الربيع الذي قاده الروس لفك الحصار النازي ووقع الكثير من الجنود الألمان أسرى لأن الصدمة أفقدتهم القدرة على التفكير و التحليل وشلت حركتهم و جعلتهم شراذم متفرقة بعد أن كانوا جيشا نظاميا و آلة عسكرية تحسن إعادة ترتيب نفسها إذا ما تعرضت لصدمة ما ؟؟؟؟
نعم هذه هي حقيقة الحروب فالمسلمون أحفاد البدو الرحل زحفوا على بلاد فارس حين آمنوا بمبادئ دينهم الحنيف وحطموا عروش الجبابرة وأصبحوا أسياد العالم دون منازع وأيقنوا أن النصر حليفهم و أن عدوهم منهزم لا محالة ليس بدافع الغرور ولكن إيمانا منهم بصدق قضيتهم فالغرور هدام لا محالة أما الثقة في النفس فهي عزيمة صاعدة لا تعرف للخمول طريقا وهكذا ساد المسلمون من مشارق الأرض إلى مغاربها و بنوا لأنفسهم مجدا لم ترى الدنيا مثيلا له واستطاعوا أن يهدموا أوتاد خيامهم العتيقة ليبنوا مكانها حصونا من العز ملء الدنيا لأزمان طويلة حفرت في ذاكرة البشرية سطورا لا تمحى مع الزمن ؟؟؟؟
نعم فمعركة شارع حيفا تحمل في داخلها رسالة لكل عاقل مبصر بأن عصر الصليب قد ولى دون رجعة و أن فجر الإسلام قد بزغ , وحتى نتعمق في صلب الصورة تعالوا بنا نعيد رسم ملامح الملحمة وحتى يتيسر لنا هذا علينا إعادة رسم إطار المعركة وتوضيح خطوطها العريضة ؟
معركة في قلب بغداد في شارع ضيق بين البنايات و الأسوار طريق طولها كيلومتر أو أكثر بقليل ؟؟؟؟؟
أعظم آلة عسكرية فوق الأرض و أكثرها فتكا و تدميرا , جحافل من الجنود يدعمهم أكبر اقتصاد في العالم ,وسائل تكنولوجية يعجز اللسان على وصفها وغطاء معلوماتي واستخباراتي عالي الدقة و الكفاءة يضاف إلى هذا آلة إعلامية تضليلية لم يرى العالم مثيلا لها تقف خلف جندي أمريكي مدرب و عالي التجهيز و الكفاءة القتالية تقف عاجزة على حسم معركة في شارع !!!!!!!!!!!!!!
إنها ليست نكتة ولا صورة كاريكاتورية !!!!!!!!!!!!!!!
بل إنه انقلاب التاريخ و بداية النهاية و نهاية البداية إنه منعرج حاسم في تاريخ المواجهة و الصراع بين أمة الإسلام و بين قوى الصليب الطاغية نعم فعندما يقف رجل يحمل سلاحا رشاشا ليتصدى لأكبر جيش في العالم عندما تتحول السيطرة على شارع في قلب مدينة محتلة إلى خطة تقودها أكبر وزارة دفاع في العالم عندها تصبح الحقيقة أغرب من الخيال .
نعم فلسنا بصدد مشاهدة فلم من أفلام هوليود التي تحسم فيها المعركة بفضل رجل واحد يقصف و يقنص و يقتل و يفخخ كل شيء بل نحن أمام معركة حدثت فعلا على أرض الواقع ربما ستفتح صفحة جديدة في كتاب تاريخ الحروب و المواجهات العسكرية ليدرس العالم منهجا جديدا في النصر و الحسم وحتى تعيد كل الأكاديميات العسكرية مناهجها التعليمية و لتعيد القواميس صياغة مفهوم النصر و الهزيمة ؟
تتقاطع النشرات الإخبارية بكل لغات العالم لتنقل لنا تباشير الملحمة و لتخبرنا رغما عنها أن النصر يصنعه الرجال متى ما آمنوا به و متى ما جعلوا من جماجم العدو سلالم للصعود نحو الخلود نعم فلم يعد للبعد الجغرافي معنى عندما هزم أعظم جيش في شارع و لم يعد للعمق الاستراتيجي كبير غاية حين أصبحت الأسوار و الشرفات قواعد خلفية ولم تعد الأقمار الصناعية تجدي نفعا و لا برنامج التوجيه الآلي حين تاه جيش بأسره في لجة شارع في قلب بغداد؟؟؟؟؟؟؟؟
ويقف المحللون السياسيون و العسكريون عاجزين عن التحليل و الشرح كيف وهم يرون أول مرة معركة في شارع ؟؟؟؟؟
كيف وهم لم يدرسوا من قبل حقيقة كهذه ؟؟؟؟؟
حقيقة أن النصر لا يرتبط بالميادين ولا بالأرقام ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
حقيقة أن المارد قد ولد رغم عيون فرعون التي تترقبه لتقضي عليه ؟؟؟؟؟؟
حقيقة أن المعركة تولد في قلوب الرجال و تتغذى من دمائهم و تصرخ حين تخرج من رحم التاريخ كأنها الموت الذي يحصد رؤوس الغزاة .
كانت معركة شارع حيفا فريدة من نوعها فعجز المحللون عن وصفها و شلت ألسنتهم وهم يحاولون رسم ملامحها التي أصابتهم بالرعب الذي أدى بهم إلى الانهيار في مستنقع الصمت فليس هناك من الكلمات ما يمكنه أن يعطي الصورة حقها وفضلت وسائل الإعلام المأجورة القفز على الواقع و اعتبار أن الموضوع مجرد كابوس لا ينبغي ذكره أمام الناس حتى لا يصيبهم الفزع .
لم يكن نصرا عاديا ولم تكن مواجهة بين رشاش وطائرة أو بين مقاتل و فيلق من المارينز ؟؟؟؟؟؟؟
بل كانت معركة بين عقيدة تؤمن بالنصر الإلهي وتوقن بوعد الله وبين آلة عسكرية صماء تحسب أن النصر وليد الأعداد و الحسابات الدنيوية الضيقة
كانت معركة بين قوة عجوز متعجرفة و بين فارس يافع يريد الخروج ليعانق الحياة ؟؟؟
كان يكفي أن يصمد جند الحاقة ساعة ليكسروا روح التغطرس الصليبي ؟
كان يكفي أن يسقطوا طائرة واحدة أو أن يقنصوا جنديا واحدا ؟؟؟؟
كان يكفي أن يعجز المارينز عن التقدم و أن يجد نفسه مجبرا على التقهقر لينكسر غروره الكاذب و ليدرك أن أمامه رجال لا يعرفون للهزيمة طعم ,نعم لقد هزمت أمريكا هذه المرة حين كسرت هيبتها و رآها العالم بأسره عاجزة على حسم معركة في شارع من شوارع بغداد وكانت الرسالة التي لا يمكن التشكيك فيها سمعها العالم و أيقن أن الأرض بيد المجاهدين
كانت معركة غير معارك البشر لدى لا يمكن فهمها بقواعد الأرض ولا تحليل خباياها بمفهوم النصر و الهزيمة الذي يدرس في المعاهد ؟؟؟؟؟؟
إنها معركة السماء والخلود
إنها معركة النهاية و البداية معركة النصر المؤزر
فقد سقط آخر حصن كان يستعين به الجندي الأمريكي حين كان يقول لنفسه أن هؤلاء جبناء يضربون و يختفون !!!!!!!!!!
فاليوم وجد نفسه أمامهم ولم يتمكن من الحركة و بال على نفسه من شدة الخوف و عجز الطيار الذي يحلق في السماء على النزول لفك الحصار الذي يخنقه وتهرب الجنرال من المواجهة حين علم أن جنوده يقتلون في وضح النهار و صمتت الBBC و ال CNN وكل وسائل الكذب ووجد نفسه بمفرده يواجه الموت ؟؟؟؟
نعم لقد فقد الثقة في نفسه و في سلاحه و في قادته الذين أدرك حقيقتهم أخيرا و أيقن أنهم مجموعة من الجبناء !!!!!!!!!!!
لم تعد أكاذيب رومبو تنطلي عليه و لا دعوات البانتجون و لا كلام الأخصائيين النفسيين الذين يملئون رأسه بالأكاذيب
فقد أفاق من نومه وفهم أن شوارع بغداد لا تحمل له غير الموت ولا تتقن الكلام إلا بالتفجير و جز الرؤوس و الأدهى و الأمر أنه أصبح يؤمن بأن الهزيمة حقيقة لا مفر منها !!!!!!!!!!!!
فالجندي الأمريكي اليوم غيره بالأمس حين واجه اليابان الكاميكاز والألمان النازيون والفيت كونق الفياتنام
فهو اليوم عبئ على نفسه فاقد للثقة في نفسه وجندي كهذا لا يحسن إلا صناعة الهزيمة و الخيبة
كتبها الفقير إلى رحمة ربه أخوكم موحد
__________________
غرباء ولغير الله لا نحنى الجباه .... غرباء و ارتضيناها شعارا للحياة
ان تسل عنا فانا لا نبالى بالطغاة .... نحن جند الله دوما .دربنا درب الأُباة
غرباء هكذا الاحرار فى دنيا العبيد