
يعتبر اللواء نصر يوسف، واسمه الحقيقي مصطفى البشتاوي، من الشخصيات الفلسطينية المثيرة للجدل. ويعتبر نهجه القاضي باستخدام القوة ضد رجال المقاومة الفلسطينية، سبيلا لفرض التهدئة ولو بالقوة، مثار خلاف واسع في الساحة الفلسطينية، وخاصة بعد الأحداث الأخيرة، التي أدت إلى وفاة أحد ناشطي كتائب "عز الدين القسام" الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، وجرح 4 من رفاقه، عقب إطلاق النار عليهم من قبل أجهزة السلطة الأمنية، دون تحذير مسبق، إثر عودتهم من إطلاق صواريخ على مستوطنات إسرائيلية، ردا على اعتداءات إسرائيلية.
وكان الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات (أبو عمار) قد رفض بشدة تولية اللواء يوسف مسؤولية وزارة الداخلية. وكان تعيينه في الحكومة سبب التوتر الذي حصل بين عرفات والرجل الثاني في السلطة في تلك الفترة محمود عباس (أبو مازن)، وهو الأمر الذي قاد إلى أزمة سياسية حادة، انتهت باستقالة عباس من رئاسة الحكومة الفلسطينية، وبدء تعرض الرئيس الراحل عرفات لسلسلة حادة من الضغوط الخارجية، إسرائيلية وأمريكية، يعتقد الكثير من الفلسطينيين بأنها لم تنته إلا بموته المشكوك في أن يكون موتا طبيعيا، وأنه ربما كان موتا ناتجا عن تعرضه لسم خطير أنهى حياته.
وينسب للقيادي الفلسطيني السابق محمد داود (أبو داود) أن عرفات كان منذ فترة مبكرة من مسيرة الكفاح الفلسطيني لا يرتاح لشخص اللواء يوسف، وأنه كان في بعض الأحيان يتعمد إهانته أمام قادة العمل الفلسطيني، حتى أطلق عليه بعض الفلسطينيين اسم (أبو الكتلات) (القتلات) لكثرة ما يتعرض للإهانة والصفع أحيانا من الراحل عرفات، الذي كان لا يرتاح لأسلوب يوسف الأمني، وهو ما جعله يصر على عدم توليه وزارة الداخلية في السلطة الفلسطينية، أثناء حياته.
وبغض النظر عن صحة ما ينسب لأبي داود عن سلوك عرفات مع اللواء يوسف من عدمه، فإن إطلاق النار على بعض المقاومين الفلسطينيين، من دون تحذيرهم، بما أدى إلى استشهاد أحدهم، وإنزال المدرعات إلى الشارع الفلسطيني، لحسم خلاف داخلي، والتعويل على فرض التهدئة بالقوة، بعد أن تم التوصل إليها عبر الحوار، يجعل العديد من المراقبين الفلسطينيين ينظرون لسلوك اللواء يوسف، باعتباره من الأمور المثيرة للجدل، إن لم تكن مثيرة للاستهجان، كما يقولون.
ويركز إعلام وزارة الداخلية والأمن الوطني في السلطة الفلسطينية، على ضرورة مواجهة الفلتان الأمني، والتصدي له. ويوافق معظم الفلسطينيين على هذه المهمة، لكن المشكل، كما يرى مراقبون، أن الوزارة تحت قيادة اللواء يوسف بدأت تتجه إلى اعتبار سلاح المقاومة وعملياتها من الفلتان الأمني، بالرغم من أنه ينسب إلى العقيد جبريل الرجوب أن 90 في المائة من الفلتان الأمني هو مسؤولية الأجهزة الأمنية وبعض نشطاء حركة "فتح".
ويكشف تعميم يحمل صفة "سري للغاية"، حصلت وكالة "قدس برس" على نسخة منه، يحمل توقيع اللواء يوسف، عن أن استخدام السلاح لفرض التهدئة بالقوة ليس جديدا على وزير الداخلية الفلسطيني. فالأحداث الأخيرة كانت مناسبة فقط لظهور كيف يفكر الوزير، بصورة عملية. أما القرار بتوجيه رصاص الأجهزة الأمنية إلى صدور المقاومين الفلسطينيين، كما يقول المراقبون، فهو قرار قديم، ويرجع إلى نحو شهر ونصف. إذ يشير التعميم "السري للغاية" إلى أن القرار الصادر من الوزير باستخدام السلاح لمنع قصف المستوطنات الإسرائيلية يرجع إلى يوم 7 حزيران (يونيو) الماضي، وينص صراحة في ثلاث مواضع مختلفة على استخدام السلاح ضد رجال المقاومة الفلسطينية.
إذ يتحدث التعميم عن ضرورة "أخذ الإجراءات الحازمة لمنع أي جهة تحاول العبث بالتهدئة المتفق عليها، بما في ذلك استخدام السلاح، إذا دعت الضرورة، واعتقال الفاعلين".
وينص التعميم في موضع آخر على أن "تقوم قوات الأمن الوطني باتخاذ الإجراءات الحازمة والصارمة لمنع أية محاولة لإطلاق الصواريخ على الخط الأخضر أو المستوطنات، حتى ولو أدى ذلك إلى استخدام السلاح ضد الذين لا يلتزمون لأوامر الأمن الوطني، كما يتم اعتقال الفاعلين". في حين ينص في موضع ثالث على ضرورة أن "يتم تنظيم تعاون وثيق بين القوات والأجهزة الأمنية، والتأكيد على عدم التهاون، واستخدام القوة، إذا دعت الضرورة إلى ذلك".
ويلاحظ أن التعميم يعهد بالمهمة إلى سائر الأجهزة الأمنية الفلسطينية في قطاع غزة، فالمعني بالأمر، بحسب التعميم، هي "قوات الأمن الوطني في المنطقة الشمالية والمنطقة الجنوبية"، وقوات أمن الرئاسة، والبحرية، والشرطة العسكرية، وقوات حفظ النظام في الشرطة، والمخابرات، والأمن الوقائي. كما ينص التعميم على ضرورة "تنشيط غرف العمليات" لتحقيق الغرض، وعلى أن "توضع القوات والأجهزة الأمنية في درجة الجاهزية العالية".
ويذهب مراقبون إلى أن الأمر يبدو كما لو أنه حالة استعداد لحرب. ويقولون إن الهدف هو استباق الانسحاب الإسرائيلي، وجعله انسحابا هادئا، وضمان هيمنة أجهزة الأمن على الممتلكات والأراضي التي سينسحب منها الاحتلال. في حين يرى مراقبون آخرون أن الأمر أبعد من ذلك، وأن اللواء يوسف قد دخل في معركة كسر عظم مع المقاومة الفلسطينية، وأنه يريد أن يلغي المعادلة الحالية، التي فرضتها المقاومة الفلسطينية، والقائمة على قاعدة أن "كل عدوان إسرائيلي سيواجه برد من المقاومة"، ليخلو الأمر لخيار التفاوض لوحده، من دون أي استخدام للقوة، بما يأذن بنهاية حتمية للانتفاضة وسائر فعالياتها.
ويقول ناشطون فلسطينيون إنهم لا يستبعدون أن يمضي اللواء يوسف، إن سمحت له الظروف وميزان القوة، في معركة كسر العظم إلى نهايتها، ويستشهدون على ذلك بتهديدات سابقة له بإسالة الدم إلى الركب. وهم يقولون إن وزيرا يفكر بهذه العقلية لا يمكن أن يكون مستأمنا على الشعب الفلسطيني، وأن توليته وزارة هي الأخطر والأكثر تأثيرا على الوضع الفلسطيني يهدد بحالة اقتتال داخلي، نجح الفلسطينيون حتى الآن في تجنبها.
ويذهب هؤلاء إلى التساؤل كيف أجاز الوزير لنفسه إنزال المدرعات إلى الشوارع الفلسطينية لمواجهة اختلافات داخلية بين أبناء الشعب الواحد، متسائلين أين كانت تلك المدرعات حين كانت المدن والقرى الفلسطينية تتعرض لعمليات تدمير وقتل واسعة من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي؟ وأيا كانت المواقف والتبريرات، فإن الخوف الأكبر أن يفشل الفلسطينيون فيما نجحوا فيه سابقا، وهو تجنب الاقتتال الداخلي.