بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله ومن ولاه وبعد ،،،
فالمعجزة هي أمر يعجز الخلق عن أن يأتوا بمثله ، يجريه الله على يد مدعي النبوة تصديقاً وتأييداً له في دعواه .
ولما كان الكذب بادعاء النبوة والرسالة هو من أعظم الإفتراء على الله جل جلاله ، كما قال سبحانه وتعالى : { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ } [ الأنعام : 93 ] فقد دل القرآن الكريم على أن الرب تبارك وتعالى لا يؤيد الكذاب عليه ، بل لا بد أن يظهر كذبه ، وأن ينتقم منه ، فقال سبحانه : { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } [ الشورى : 24 ] وقال سبحانه : { وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ } [ الحاقة : 44 ]
هذا بتقدير أن يتقول بعض الأقاويل فكيف بمن يتقول الرسالة والنبوة كلها ؟!
ورسولنا الكريم محمد - صلى الله عليه وسلم - لما بدأ دعوته بين الفصحاء العرب وفيهم الشعراء والخطباء وأئمة البلاغة ، أخذ يسمعهم آيات القرآن الكريم ، معلناً لهم أن الله هو الذي بعثه للناس نبياً ورسولاً ، وأن هذا القرآن الذي يسمعونه منه ، ليس كلامه ، ولا كلام مخلوق آخر ، إنما هو كلام الله ، أوحى به إليه ، وتحداهم ان كانوا في شك من مصدره فليأتوا بسورة من مثله في البلاغة والفصاحة والبيان .. وعلى الرغم من أن هذا التحدي قد مر معهم بمراحل متعدده - كما سيأتي - وقد وقع لهم من رجل لم يكن شاعراً من شعرائهم أو خطيباً من خطبائهم أو أحد كهانهم ، ولم يكن من أهل المعرفة لديهم في شأن من الشئون ، إلا انهم قد وقفوا أمامه موقف العاجز المهزوم ، ولم يستطع أحداً منهم المواجهه .. فكان هذا العجز وهذا الانهزام منهم ، دليلا واضحاً على تأييده سبحانه وتعالى وتصديقه لرسوله الكريم ، ودليلاً واضحاً على أصالة الوحي السماوي وعلى الجانب الإلهي للرسالة والدعوة.
والحق الذى لا محيد عنه أن من له أدنى مسكة من العقل إذا تأمل في أمره صلى الله عليه وسلم وأنه نشأ فيما بين قومه دهراً طويلاً من غير مصاحبة العلماء فى شأن من الشئون ، ولا مراجعة إليهم فى فن من الفنون ولا مخالطة البلغاء فى المفاوضة والحوار ، ولا خاض معهم فى إنشاء الخطب والأشعار ، ثم أتى بكتاب بهرت فصاحته كل فصيح ، وفاقت بلاغته كل بليغ ، وعلا نظمه كل منثور ومنظوم ، وحوى فحواه بدائع أصناف العلوم ... ناطق بأخبار ما قد كان وما سيكون ، مصدق لما بين يديه من الكتب المنزلة مهيمن عليها فى أحكامها المجملة والمفصلة ، لا يبقى عنده شائب اشتباه فى أنه وحى منزل من عند الله " [ تفسير ابو السعود يونس : 17 ]
آيات التحدي القرآنية :
في مكة عندما كان مشركوا قريش يسرحون في اوج قدرتهم، بينما كان المسلمون مستضعفين ويشكلون قلة قليلة بينهم نزلت آيات التحدي للمشركين المرتابين تطلب منهم أن يأتوا بسورة من مثل سور القرآن ، وأفرغ لهم المولى تبارك وتعالى هذا التحدي في قوالب مختلفة من اللفظ والأسلوب وأنهضهم إلى ذلك بالتقريع والتحمس ومختلف أشكال التحدي :
فقال لهم متحدياً كما في سورة الطور : 33 وهي سورة مكية : { أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ } والمعنى : إن كانوا صادقين في زعمهم أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد تقول القرآن ، فإنهم لن يعجزوا عن الإتيان بحديث مثله ، لأن محمد يتكلم اللغة العربية وهم مثله في العربية وأشد تمرناً منه في النظم والعبارة ..
وقال لهم متحدياً كما في سورة هود : 13 وهي سورة مكية : { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } والمعنى : إن كانوا صادقين في زعمهم أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد افترى القرآن ، فإنهم لن يعجزوا عن تأليف العشر سور ، لأنهم مثله في العربية ، مع ما بهم من طول الممارسة للخطب والأشعار وكثرة المزاولة لأساليب النظم والنثر ..
وتحداهم أن يأتوا بسورة واحدة من مثله إمعاناً في تعجيزهم وتحديهم فقال لهم كما في سورة يونس : 38 وهي مكية : { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } والمعنى إن كان الأمر كما يقولون فليأتوا بسورة مثله أي في البلاغة وحسن الصياغة وقوة المعنى - على وجه الافتراء - فإنهم أقدر على تأليف الكلم واختلاقه منه صلى الله عليه وسلم ، لأنهم قد مارسوا مبادى ذلك من الخطب والأشعار وزاولوا أساليب النظم والنثر..
وكان قبل كل ذلك تحداهم في اسلوب عام يتناولهم ويتناول غيرهم من الانس والجن ، فقال لهم في نفي قاطع وصريح كما في سورة الاسراء : 88 وهي سورة مكية : { قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا }
وهنا نسأل : كيف لعربي في بداية دعوته أن يصدر هذا الحكم المتضمن لهذا النفي القاطع والصريح وهو يعلم أن مجال المساجلات بين العرب مفتوح على مصراعيه ؟!!
يقول الأمام الفخر الرازي : لو لم يكن قاطعاً بصحة نبوته ، لما قطع في الخبر بأنهم لا يأتون بمثله . لأنه - إذا لم يكن قاطعاً بصحة نبوته - كان يجوز خلافه . وتقدير وقوع خلافه يظهر كذبه ، فالمبطل المزور البتة لا يقطع في الكلام ولا يجزم به . فلما جزم دل على أنه كان قاطعاً في أمره . ( مفاتيح 2 / 120 )
واتفق معه الامام ابن تيمية الذي قال : هذا لا يقدم عليه من يطلب من الناس أن يصدقوه إلا وهو واثق بأن الأمر كذلك ، إذ لو كان عنده شك في ذلك ، لجاز أن يظهر كذبه في هذا الخبر ، فيفسد عليه قصده . ( التفسير 2 / 141 )
هذا وبعد ان اشتد الضغط، وكثر الأذى، وازدادت المؤامرات على رسول الله صلى الله عليه وسلم، في مكة المكرمة، وفي هذا يقول الله سبحانه وتعالى : { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ } [الانفال : 30] اذن الله سبحانه وتعالى لرسوله الكريم بالهجرة إلى المدينة المنورة ، وهناك أعاد المولى تبارك وتعالى التحدي للمشركين وكفار أهل الكتاب في آيتين من سورة البقرة ، وهي من أوائل ما نزل من السور بعد الهجرة في وقت لم تظهر للإسلام فيه القوة ولا المنعة بعد ، فقال تعالى : { وإن كنتم في ريب مما نـزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين } البقرة : 23 والمعنى إن كان الأمر كما زعمتم من كون القرآن كلام بشر فأتوا بمثله لأنكم تقدرون على ما يقدر عليه سائر بني نوعكم .
ثم حكم عليهم سبحانه وتعالى حكماً مؤبداً فقال : { فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين }
يصف محمد الصادق عرجون آيتي سورة البقرة بأنهما أقوى ما جاء في التحدي ، لما فيهما من القطع بعجز المتحدين مع التقريع والتهديد بالوعيد ، البالغ حداً لا يبقى معه شىء من ساكن العداوة إلا تحرك ، ولا عامل من عوامل المعارضة - لو كانت ممكنة - إلا هاج وأرعد ، ولا بقية من نخوة الانتصار للنفس والمعتقد إلا ثارت وغبرت . ( القرآن 145 )
نتيجة التحدي :
لقد كانت نتيجة التحدي أن المشركين العرب عجزوا عن الاتيان بالمطلوب ، فلم يأتوا بحديث مثل القرآن ، ولم يأتوا بعشر سور مثله ، ولم يأتوا بسورة من مثله ، وكان المؤمنون في ذلك الوقت يسمعون آيات التحدي ويقرأونها ولو ظهرت أي معارضة فعلية للقرآن لأهتزت قضية الدين عندهم، ولضاع الدين وانتهى وهو في بداية ظهوره ولما آمن بهذا القرآن أحد ، ولأنطفأ أمر النبي صلى الله عليه وسلم واختل حاله بين العرب ، إلا ان أمره صلى الله عليه وسلم كان يعلوا شيئاً فشيئاً وأتباعه يتزايدون حالاً فحالا ...
ولو صح من العرب انهم قبلوا التحدي فعارضوا القرآن الكريم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم لترتب عليه سقوط دعوته بعد ظهور هزيمته وانهيار حجته و بطلان معجزته ، فما كان لهذا القرآن ان يدخل في نفوس الناس في بدايات الدعوة في مكة والمدينة ، باذلين من اجله النفس والمال والولد ، يوم لم تكن للإسلام القوة والمنعة بعد ، وثمة معارضون للقرآن من العرب الاقحاح ، يأتون بمثله للناس مظهرين فساد دعوى التحدي في تلك الآيات .. فتأمل !
و بما ان شيئا من هذا لم يحدث : فاننا على يقين ان احداً من العرب لم يقدم على معارضة القران الكريم مع براعتهم فى البلاغة و مع حرصهم الشديد على ابطال دعوة محمد صلى الله عليه و سلم .
قال الجاحظ : لو تكلف بعضهم ذلك - يريد المعارضة - فجاء بأمر فيه أدني شبهة ، لعظمت القصة على الأعراب وأشباه الأعراب .. ولكثر القيل والقال . ( الحيوان 4 : 89 ) وتبعه الباقلاني فذكر أنهم لو كانوا عارضوه لتوصلوا إلى ادخال الشبهات على قلوب المحامين عنه ( اعجاز 248 )
وقال عبد الجبار كما في المغني ( 16 : 255 ) لو كانت المعارضة وقعت لكان إظهارها والاحتجاج بها أدل على فساد حاله . ولو وقعت لكان فيها اضطراب لنفوس أصحابه ( المغني 16 : 339 ) . وقال الشيخ محمد رشيد رضا : لكانت فتنة ارتد بها المسلمون على أدبارهم . ( المنار : 165 ) وقال الجاحظ : سورة واحدة وآيات يسيرة كانت أسرع في تفريق أتباعه . وذكر الباقلاني : أن في المعارضة تفريق جمع محمد ، وتشتيت أسبابه ، ورجوع من صدق به على أعقابه ، وعودته في مذهب أصحابه الأولين ( اعجاز الخطيب 1 : 177 )
ولا بد لنا ها هنا من وقفة قصيرة ينبغي على كل لبيب رشيد أن يقفها وأن يزن ما تقدم بميزان محايد متجرد عن هوى نفسه واغلال ديانة أسلافه ، فلو كان محمد صلى الله عليه وسلم مدعياً للرسالة متقولاً للقرآن أتراه كان يتحدى قومه بأقوى سلاح يملكونه ، أما كان يخاف أن يأتوا بمثله فيظهرعندئذ فساد وكذب دعوى التحدي في تلك الآيات التي كان يقرأها هو والمسلمون في بداية الدعوة والناس تسمعها ؟!
وبما أن شيئا من كل هذا لم يحدث فإننا على يقين تام بأن المشركين العرب قد عجزوا عن الاتيان بالمطلوب ، فلم يأتوا بحديث مثل القرآن ، ولم يأتوا بعشر سور مثله ، ولم يأتوا بسورة من مثله وصار القرآن الكريم معجزاً لهم ..
تأثير المعجزة القرآنية في نفوس العرب :
وبحسبنا هنا ان نشير إلى تأثير هذا الإعجاز القرآني في نفوس العرب ، سواء منهم من أسلم لله سبحانه وتعالى ، ومن عاند وبقي على شركه والعياذ بالله .
ان قصة اسلام الشاعر الطفيل ابن عمرو الدوسي والفاروق عمر ابن الخطاب رضي الله عنهم لنموذجين لهذا البيان القرآني المعجز الذي أخذ العرب منذ اللحظة الأولى ...
وقصة اسلام عمر معروفة ، وأما قصة اسلام الشاعر الطفيل فيحسن أن نذكر بها :
( قدم الطفيل مكة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بها ، فمشى إليه رجال من قريش - وكان الطفيل رجلا شريفا شاعرا لبيبا - فقالوا له يا طفيل إنك قدمت بلادنا ، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا ، وقد فرق جماعتنا ، وشتت أمرنا ، وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه وبين الرجل وبين أخيه وبين الرجل وبين زوجته وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا ، فلا تكلمنه ولا تسمعن منه شيئا .
قال فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا ، ولا أكلمه حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا فرقا من أن يبلغني شيء من قوله وأنا لا أريد أن أسمعه . قال فغدوت إلى المسجد ، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم يصلي عند الكعبة قال فقمت منه قريبا ، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله . قال فسمعت كلاما حسنا . قال فقلت في نفسي : واثكل أمي والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى علي الحسن من القبيح فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته وإن كان قبيحا تركته .
قال فمكثت حتى انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بيته فاتبعته ، حتى إذا دخل بيته دخلت عليه فقلت : يا محمد إن قومك قالوا لي كذا وكذا - للذي قالوا - فوالله ما برحوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لئلا أسمع قولك ، ثم أبى الله إلا أن يسمعني قولك ، فسمعته قولا حسنا ، فاعرض علي أمرك . قال فعرض علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الإسلام وتلا علي القرآن فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه ولا أمرا أعدل منه قال فأسلمت ، وشهدت شهادة الحق ) ( سيرة ابن هشام 2 / 130 المطبوعة مع الروض الأنف والبداية والنهاية 3 / 89 - 101 )
وها هو جبير بن المطعم العربي القرشي الفصيح - رضي الله عنه - سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ سورة الطور ، فلما بلغ هذه الآيات : { أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ } وكان جبير يومئذ مشركاً ، قال : ( كاد قلبي أن يطير ) وفي رواية أنه قال : ( وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي ) ثم أسلم بعد ذلك رضي الله عنه وأرضاه . ( البخاري مع الفتح 8 / 603 ، ومسلم 1 / 338 ، الإصابة 2 / 65 ، 66 )
وهذا أسيد بن حضير لما تلا عليه مصعب بن عمير القرآن الكريم وكلمه بالإسلام ، قال : (( ما أحسن هذا الكلام وما أجمله )) فأسلم بعد ذلك رضي الله عنه . ( مختصر السيرة / اسلام سعد بن معاذ واسيد بن حضير )
وهذا لبيد بن ربيعة العامري ، من شعراء الجاهلية ، وصاحب احدى المعلقات السبعة أدرك الاسلام فحسن اسلامه ، سأله عمر بن الخطاب يوما ما : أنشدني من شعرك ، فقرأ له سورة البقرة ، فقال : إنما سألتك عن شعرك، فقال : ما كنت لأقول بيتاً من الشعر بعد إذ علمني الله البقرة وآل عمران . ( الجامع لأحكام القرآن والاستيعاب لابن عبدالبر وانظر دائرة المعارف 8 / 282)
ويكفي ان نعرف انه في بيعة الانصار الكبرى كان الرسول صلى الله عليه وسلم يكلمهم بالاسلام ويتلو عليهم القرآن ويدخلون في الاسلام ، وقد أرسل معهم مصعب بن عمير وابن ام مكتوم ليعلما الناس القرآن ودعوة الاسلام ، وأسلم على ايديهما كثيرون من سادة الأوس والخزرج ، ثم كانت هجرة الرسول الي يثرب ، وعرضه القرآن على أهلها فدخلوا في الاسلام فوجاً بعد فوج .
ولما كان للقرآن الكريم تأثيره العجيب في نفوس العرب ونفوس الشباب منهم ، كان لا بد لأهل الاستكبار والعناد منهم أن يثيروا الشبهات حول القرآن الكريم والرسول صلى الله عليه وسلم ، لذلك فقد إحتال البعض منهم في اللَّبس على الناس باللجوء إلى جملة من الأعمال الوقائية، لِتَصُدَّ تأثير القرآن في النفوس المتهيئة لقبول الحق ، فذهبوا يتواصون على عدم سماع القرآن والمشاغبة والتشويش عليه قائلين فيما بينهم : { لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ .. } فصلت : 26 ، ونلاحظ من هذه الآية الكريمة انهم ارادوا الغلبة من خلال عدم السماع لهذا القرآن ، وليس من خلال قبولهم التحدي لأنهم قد فهموا حقيقته وانه خارج عن مقدرتهم .. لذلك لما قال البعض منهم على سبيل الكذب والوقاحة : { لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ } كان هو قول منهم بلا فعل وإلا فقد تحدوا غير ما مرة أن يأتوا بسورة من مثله فلا يجدون إلى ذلك سبيلا وإنما هذا القول منهم يغرون به أنفسهم ومن تبعهم على باطلهم بسبب عصبيتهم وحقدهم ولأنهم يريدون إضلال الناس .. كانوا يقولون مثل هذا الكلام وغيره عندما يعجزون عن مواجهة القرآن ومعارضته .
ولقد دفع العجز بالبعض منهم ان يصفوا هذا القرآن الكريم بقولهم : { هذا سحر وإنا به كافرون } كما في سورة الزخرف : 30 وقالوا : { إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ } كما في سورة المدثر : 24 ، وذهبوا ينعتون هذا الرسول الذي جاءهم بما أعجزهم بقولهم : { إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ } كما في سورة يونس : 2 وكذلك قولهم : { هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ } كما في سورة ص : 4 ، وليس كل ذلك إلا لهزيمتهم وقصور قرائحهم أمام القرآن الكريم . الأمر الذي يدل على مصدر هذا الكتاب الرباني المعجز . ولقد ترك هؤلاء معارضة القرآن وهم أصحاب الرياسة في الكلام والقول، واختاروا طريق حرب النبي وقتاله ، فكان هذا اعتراف ضمني منهم باعجاز القرآن ، وظهر أمر الله وهم كارهون .
دلالة عجز العرب أمام التحدي :
لما كانت قضية عجز العرب عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن ، هي قضية من مسلمات التاريخ ، وأن البيان القرآني الكريم واسلوبه قد أعجز العرب وهم أهل اللغة المتقدمين في الفصاحة والبلاغة ، فإن عجز العرب هذا هو حجة على سائر الناس من بعدهم ذلك لأن العرب في عصر نزول القرآن لم يكن يدانيهم أحد في عربيتهم فضلا عن أن يساويهم ، وبيان ذلك هو بالآتي :
إذا تحدى القوي خصمه فأعجزه ، وأضعفه ، فإن ضعفه وعجزه ينسحب على الآخرين ، الذين هم دونه في القوة ، ويكون القوي الذي هزمه وغلبه ، منتصراً على الآخرين من باب أولى ، لأنهم أضعف وأعجز من صاحبهم المهزوم . فالمصارع الذي يفوز على خصمه في المصارعة ، هو بالضرورة متفوق على الآخرين ، ولو لم يتقنوا المصارعة ، ولم ينزلوا لمصارعته .
فإذا جاء أحد ، ولم يسلم بهذه النتيجة ، ولم يقر بهزيمة المنتصر له ، ولم يعترف بانسحاب الضعيف والعجز عليه ، فإنه يتقدم لمنازلة المنتصر على الحلبه !
ولما كان القرآن الكريم قد أعجز الكافرين المتقدمين في الفصاحة والبلاغة وهم المعاصرون لنزول القرآن ، وقد عجزوا عن معارضة القرآن وصار القرآن معجزاً لهم فإن غيرهم من الناس أضعف وأعجز أمام القرآن لأنهم أدنى من أولئك العرب الأقحاح في الفصاحة والبيان .
لذلك نحكم على الأجيال العربية التالية للعرب في عصر نزول القرآن - منذ عهد التابعين وحتى قيام الساعة - بأنها ضعيفة وعاجزة أمام القرآن ، وأن القرآن معجز لها ، لأنها دون العرب في عصر التزيل في البيان والبلاغة .
ولذلك يكون القرآن معجزاً للكافرين من هذه الأجيال العربية ، كما كان معجزاً لأسلافهم !
فإذا جاءنا الآن من لم يسلم بهذه النتيجة فله ان يتقدم لمعارضة القرآن ، إلا ان كلامه سيكون لا قيمة له ، فهو ليس ابرع فى الفصاحة والبلاغة والبيان من أرباب اللغة الاقحاح الذين تحداهم الرسول صلى الله عليه وسلم ان يأتوا بسورة من مثل القران العظيم .. بل نقول له إذهب أولاً وانزع العجمة من لسانك ان استعطت ..
وإذا ما ضعف العرب أمام القرآن - الذين في عصر التنزيل ، والذين من بعدهم حتى قيام الساعة - وعجزوا عن معارضته ، فإن الآخرين من الأمم والشعوب من غيرهم ، على اختلاف الزمان والمكان وحتى قيام الساعة ، يكونون أضعف منهم وأعجز من باب أولى .
ومن الجدير بالذكر ان المعجزة البيانية للقرآن الكريم لم تكن هي الدليل والعامل الوحيد في ايمان من آمن ومن سيؤمن من أهل الأرض بل ان ربنا تبارك وتعالى جعل في مضامين هذا القرآن الكريم وهذا الدين العظيم الكثير من دلائل وعوامل الإيمان ..
محاولات ساقطة :
لقد قام بعض السُّذج في هذا العصر بعدة محاولات لتقليد سور القرآن الكريم فمنهم من كتب سورة أسمها سورة التجسد، وآخر كتب سورة الوصايا، وثالث لفّق سورة المسلمون، وغيرهم كثيرون أدعوا بأن كتاباتهم هي من مثل سور القرآن الكريم، وقد فات على هؤلاء السذج أنهم لم يأتوا بشيء مثل سور القرآن الكريم، وكل ما فعلوه هو أنهم عمدوا إلى آيات القرآن الكريم فسرقوا أكثر ألفاظها وبدلوا بعضاً، وقد سبقهم في ذلك مسيلمة الكذاب فقد كان يعمد إلى آيات من القرآن الكريم فيسرق أكثر ألفاظها ويبدل بعضاً ، كقوله : (( إنا أعطيناك الجماهر ، فصل لربك وجاهر )) أو يجيىء على موازين الكلمات القرآنية بألفاظ سوقية ومعان سوقية ، كقوله : (( والطاحنات طحناً ، والعاجنات عجناً ، والخابزات خبزاً )) وهكذا لم يستطع وهو عربي قح أن يحتفظ بأسلوب لنفسه ، بل نزل إلى حد الاسفاف وأتى بالعبث الذي يأتيه الصبيان في مداعبتهم وتفككهم بقلب الأشعار والأغاني عن وجهها ، ولا يخفى أن هذا كله ليس من المعارضة في شيىء ، بل هو المحاكاة والإفساد ، وما مثله ومثلهم إلا كمثل من يستبدل بالإنسان تمثالاً لا روح فيه ، وهو على ذلك تمثال ليس فيه شيىء من جمال الفن . وكأمثلة لما كتبه هؤلاء :
سورة المسلمون :
الصم (1) قل يا أيها المسلمون إنكم لفي ضلال بعيد (2) إن الذين كفروا بالله ومسيحيه لهم في الآخرة نار جهنم وعذاب شديد (3) وجوه يومئذ صاغرة مكفهرة تلتمس عفو الله والله يفعل مايريد (4) ... الخ
سورة الوصايا :
المذ (1) إنا أرسلناك للعالمين مبشراً ونذيراً (2) تقضي بما يخطر بفكرك وتدبر الأمور تديبراً (3) قل لعبادي الذي آمنوا إن تثاءبوا يستعيذوا بالرحمن أن لا يضحك منهم الشيطان وليكبروا الله إن عطسوا تكبيراً ..الخ
سورة السكينة :
قل يا أيها الذين آمنوا إن كنتم تؤمنون بالله حقاً فآمنوا بي ولا تخافوا إن لكم عند الله جنات نزلاً (2) فلأسبقنكم إلى الله لأعدها لكم ثم لآتينيكم نزلة أخرى (3) وإنكم لتعرفون السبيل إلى قبلتي العليا فقال له توما الحواري مولانا؟ إنا لا نملك من ذلك علما (4) فقال له عيسى أنا هو الصراط إلى الله حقاً ومن دوني لا تستطيعون إليه سبيلاً (5) ... الخ
لقد جاؤوا بعبارات وكلمات قرآنية متقطعة رصفوها إلى جانب بعضها ، وأضافوا إليها كلمات من عندهم ليجعلوا منها نصاً يوافق أهواءهم وحقدهم على الإسلام ..
إن محاكاتهم القرآن وتقليده بصورة باردة ساقطة في الخصائص التي تميز بها نظماً على سائر الكتب ، مثل تصدير الكلام بالحروف المقطعة وهي سمة لا يشبه القرآن فيها أي كتاب آخر ، فمن زعم منهم أنه يعارض به القرآن الكريم فقد فضح نفسه بنفسه ، إذ أنه سرق علانية ما سبق به القرآن الكريم وتفرد على سائر كلام البشر . وقل مثل ذلك في نقل عبارات قرآنية بنصها مثل : (( يا أيها الذين آمنوا )) (( لفي ضلال بعيد )) (( نزله أخرى )) وغيرها ، فالعجب ممن يزعم معارضة الكتاب الكريم آخذاً بنصوصه بحروفها ، وخصائصه بحذافيرها سرقة معلنة دون أن تطرف له عين أو يهتز له جفن .
ونُذكر هؤلاء السذج بما وصف به ابو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ مسيلمة الكذاب بالسطو على القرآن الكريم ، إذ قال عن كلامه : يعلم كل من سمعه أنه عدا على القرآن ، فسلبه وأخذ بعضه ، وتعاطى أن يقاربه . ( الحيوان 4 : 89 ) وبما قاله الخطابي بما معناه في نقده للنصوص التي عزيت لمسيلمة : إنما هي استراق واقتطاع من عرض كلام القرآن الكريم ، واحتذاء لبعض أمثلة نظومه . ( بيان 53 وانظر 1 : 225 . الرافعي 212 ) وكيف وصف الامام محمد رشيد رضا ما أتى به مسيلمة بالخزي والتقليد أو النقل ، فهو إذن ضرب من الاقتباس مع التصرف ( المنار 1 : 167 ، 225 ) ووصفه للقادياني محمد صبيح الذي ادعى الإلهام في خطبته التي حاول فيها أن يقلد القرآن الكريم بأنه سجع فيها ، وسرق ، ولكنه انتهى إلى إلهام يضحك الثكلى . وأورد بعض المقتبسات من قرآنه ، ثم علق عليها قائلاً : .. كيف صنع القرآن الكريم بخيال هذا الرجل . وكيف حسب أنه إذا جمع ألفاظاً مما استعمل القرآن ، وضم بعضها إلى بعض ، يستطيع أن يصنع قرآناً . فقوله مثلاً : (( وقد أوحي إلى من ربي - قبل أن ينزل الطاعون - أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا )) يدل على مقدار تأثير النغمات والألفاظ القرآنية على ذهنه . فألفاظ ( قد أوحي ) و ( اصنع الفلك بأعيننا ) منتهبة من آيات القرآن الكريم . ولكنه ضم بعضها إلى بعض في تركيب غير محكم ، وأضاف إليها كلمة الطاعون . ثم جلس يستنشق طويلاً ، ويقول : هذا هو قرآني .