
رحل زايد حكيم الأمتين العربية والاسلامية، تركنا فقط بجسده .. لكنه سيظل معنا دائما بروحه وأفكاره ومبادئه، وكل ما مثلّه وجسّده من قيم وأعمال.
تركنا زايد وأمته العربية والاسلامية في أمس الحاجة الى حكمته ورؤاه وقدرته الفذة على استنهاض الهمم. ما أصعب هذه اللحظات، لكنه القدر الذي نؤمن به ونتقبله، ولا نملك الا التضرع الى الله أن يدخله فسيح جناته.الملايين يموتون كل يوم .. لكن قليل منهم فقط يظلون أحياء بأعمالهم .. المغفور له صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة، هو من يمثل النوع الأخير بامتياز.
يندر أن تنظر حولك في أي ركن أو زاوية في الامارات أو المنطقة العربية والاسلامية، بل وفي أماكن كثيرة بالعالم أجمع الا وتجد أيادي زايد البيضاء .. ايادي الخير والمساعدة والنماء.زايد كان بشراً، رغم ذلك يندر أن يذكر اسمه الا مقروناً بكل ما هو خير .. هو واحد من قلة قليلة لم يكن عليه خلاف في دولته الصغيرة أو أمته الكبيرة، بل وفي العالم كله.
سيذكر التاريخ لزايد أنه حول بضع امارات صغيرة متناثرة الى دولة مؤثرة في محيطها، حدث ذلك في وقت قليل للغاية بحساب الزمن.في بداياته وعندما كان مسئولاً فقط عن منطقة العين سرعان ما حولها إلى واحة خضراء، بعدها بقليل تولى حكم امارة ابوظبي .. فكان ذلك ايذاناً بتحولها الى مركز مؤثر في محيطها.
لكن ما سيظل يذكر لزايد مدى الدهر هو دوره البارز مع اخوانه حكام الامارات خاصة المغفور له صاحب السمو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم في تحقيق الاتحاد عام 1971.
طوال السنوات الماضية كانت القاعدة الرئيسية في المنطقة هي التفتت والتشرذم، فجاءت خطوة زايد واخوانه لتسير عكس الاتجاه، حصلت محاولات كثيرة لتحقيق اي نوع من الوحدة في المنطقة، جميعها تعثر، باستثناء تجربة الامارات .. ظلت صامدة في وجه رياح عاتية جاء معظمها من الخارج، لتفتيت هذه الوحدة الوليدة، لكن ارادة الوحدة والتحدي لدى زايد كانت الصخرة التي تحطمت عليها كل هذه المحاولات.
الوحدة أو الاتحاد لم تترسخ فقط، بل تعملقت وقدمت نموذجاً للمنطقة ينبغي احتذاؤه.مع هذا الاتحاد بقيادة زايد، كان موعد الامارات السبع مع الخير والتقدم، وفي سنوات قليلة تحولت هذه الامارات من مجرد قطع متناثرة لا يعرفها أحد الى واحات للخير والنماء والرقي.
عندما ولد زايد لم تكن هناك مدرسة واحدة، الآن صارت الامارات مركزاً للاشعاع التعليمي في كامل منطقتها، أصبحت الاسرع في المنطقة فيما يتعلق بالتعامل مع كل منجزات العصر التكنولوجية والتعليمية، صار ابناؤها يتلقون احدث علوم العصر في الداخل والخارج.
عندما تولى زايد الحكم كان اقتصاد الدولة الوليدة بسيطاً ومتواضعاً، الآن صارت الامارات مثالاً للاقتصاد المتنوع والغنى الملحوظ.كثير من البلدان حباها الله بنعمة النفط .. القليل فقط من قادتها أحسن التعامل مع هذه النعمة، في مقدمتهم كان زايد الذي بنى دولته على أحدث الاسس العصرية، وصل العمران الى كل مكان، صارت الدولة عنواناً للتقدم في أكثر من مجال.
لم يهدر زايد عائدات البترول في مغامرات كما فعل البعض، وجه هذه العائدات لخدمة دولته وأمته. في عهد زايد صارت تجربة الاقتصاد الحر والتكافلي عنوانا يطالب الجميع في المنطقة بالاحتذاء به وتقليده، بل ان المؤسسات الدولية الكبرى اشادت بهذا النوع الفريد..
ولم لا فالتجربة لم تنغلق على نفسها كما فعل البعض، ولم تنفتح بأكثر من اللازم فتتوحش كما حدث في بعض البلدان الغربية، ما فعله زايد انه طبق بدون شعارات ما ينادي به الاقتصاد الاسلامي في أحسن صوره.. نعم لحرية الفرد، لكن دور الدولة في رعاية الفقراء والمحتاجين لم يغب ابداً في أي وقت.
عندما أمن زايد حاجات أهله وأبنائه في الامارات امتدت اياديه لاخوانه واشقائه في الدين والعروبة.. كيف للعرب والمسلمين ان ينسوا زايد، وهناك في كل مدينة ما يشير الى اياديه البيضاء في كافة المجالات، لا توجد أي دولة عربية أو اسلامية تقريباً إلا وهناك صرح للخير يحمل اسم زايد أو الامارات أو احد اخوانه حكام الامارات.
لن ينسى العرب ابداً دور زايد في حرب اكتوبر عام 1973، لن ينسوا ابداً مقولته التي تحولت الى حكمة خالدة: «ان النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي».. هذا الدور كان أحد العوامل الحاسمة مع تضحيات الجنود العرب في تحقيق النصر العربي الوحيد ضد أعداء الأمة.
الجميع حزانى ومكلومون لرحيل زايد، لكن خسارة الشعب الفلسطيني في هذا الفقيد جسيمة.. الفلسطينيون اختلفوا مع كثير من الزعماء العرب، واتفقوا فقط على حب زايد..
هذا الزعيم الفريد ظل منذ صعوده الى الحكم وحتى رحيله امس متمسكاً بالثوابت فيما يتعلق بقضية العرب المركزية ألا وهي القضية الفلسطينية، ظل داعماً لها بدون تحفظ، من دعم منظمة التحرير الى المسارعة بالاعتراف بالدولة الفلسطينية لحظة اعلانها، نهاية بالتبرع الدائم للشعب الفلسطيني وبناء ما هدمه ويهدمه الاحتلال يومياً من منازل من رفح جنوباً الى جنين شمالاً.
عندما يذكر مصطلح التضامن العربي، فلابد ان يقترن باسم زايد، لعب الرجل الدور الأبرز في تأسيس مجلس التعاون الخليجي عام 1981 خلال قمة ابوظبي، بعدها قاد مبادرة اعادة مصر الى الصف العربي عام 1987. في كل خلاف عربي عربي كان اسم زايد كوسيط للصلح هو أول من يتردد، لم يتوقف عن المناداة بوحدة الصف والهدف.
عندما وقعت كارثة غزو العراق للكويت عام 1990 كانت الامارات في مقدمة الدول التي دعت لاحتواء الكارثة بأقل قدر من الخسائر، وعندما لاحت نذر الغزو الأميركي للعراق في العام قبل الماضي، كانت المبادرة الوحيدة التي تحمل املاً للخروج من النفق المظلم تحمل اسم زايد.
في عهد زايد لم تدخل الامارات طرفاً في خصومة مع دولة عربية، كانت طرفاً فقط في كل ما هو خير للعرب والمسلمين، كانت الموئل الذي يقصده الجميع بحثاً عن المصالحة.
توجه زايد العربي والقومي كان انسانياً ايضاً يشمل كل العالم.. انحاز الرجل لكل ما هو انساني من أقصى الارض الى أقصاها.. هذه الرؤية للتسامح كانت منهاجه في الدين ايضاً، تمسك بصحيح الدين، نبذ العنف والارهاب والتطرف والغلو، ولم تكن صدفة ان آخر مؤتمر رعاه منذ أيام قليلة كان عن «الهدي النبوي» والبحث عن التسامح والحب وبذل كل شيء من اجل محاولة البعض تشويه صورة الاسلام. في كل مرة تحدث زايد كان يدعو الى الحب، الى التسامح، الى التعاون والبعد عن التعصب.
رحل زايد الجسد، لكن زايد الافكار والرؤى والتوجهات سيظل باقياً ابد الدهر. المصاب كبير وأليم، وخير ما نفعله هو التمسك بالثوابت التي أرساها هذا الفقيد الكبير.
«وإنا لله وانا اليه راجعون».