تاريخ إنكار السنة قديم ، قدم أول بدعة ظهرت فى الإسلام ، وارتبطت بأول فرقة خرجت عن عباءة الجماعة ،ألا وهم الخوارج.
فبعدما كفّر الخوارجُ أصحابَ النبي - صلى الله عليه وسلم - ردوا كل الأحاديث النبوية الواردة عن طريق هؤلاء الصحابة الكرام. وردوا حد الرجم لأنه جاء من طريق شيعة علي رضى الله عنه.
فكان الخروج على أولي الأمر هو أول بدعة ظهرت فى هذا الدين ، وكانت الخوارج الحرورية هم أول فرقة فى هذه الأمة ، وقد ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بإنكار السنة آنذاك ، ولكن إنكار السنة عندهم كان لازماً من لزوم الأصل الباطل الذى أصلوه لأنفسهم.
ثم ظهر الشيعة ، رداً على ظهور الخوارج ، ولم يكن حالهم بأفضل من حال سابقيهم من الخوارد ، بل أسوا ، حيث كفّروا جميع الصحابة إلا بضعة عشر منهم ، ومن ثم توالى مسلسل إنكار السنة ، وذلك بردهم - الشيعة - كل الأحاديث والآثار التى نقلها الصحابة ، والذين حكم الشيعة - باطلاً - بكفرهم.
وإذا كان الخوارج قد وقعوا فى خطأ رد الأحاديث التى نقلها الصحابة فحسب ، فإن الشيعة قد وقعوا فى خطأ أفدح ،خطأ نستطيع أن نسميه بالخطأ المزدوج ، فهم من ناحية ردوا أحاديث أغلب الصحابة ، ومن ناحية أخرى كذبوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك بوضعهم عشرات الآلاف من الأحاديث المكذوبة على رسول الله ، ولا يستبعد مثل هذ الصنيع مع قوم جعلوا من الكذب ديناً ، وأقصد بهذا التقية حيث يقولون : من لا تقية له ، لا دين له.
وقد ذكر المحاملى فى كتاب الإرشاد أن الشيعة وضعوا مائة ألف حديث فى فضل علي بن أبى طالب رضى الله عنه.
فإن كان الخوارج قد نزعوا من الإسلام أشياء هى منه ، فإن الشيعة قد فعلوا مثل ذلك ،وإضافة إلى أنهم وضعوا فى الإسلام ما ليس منه.
ثم يتوالى مسلسل إنكار السنة بظهور طائفة أخرى من طوائف هذه الأمة ألا وهم الجهمية ، معطلة أسماء الله الحسنى وصفاته العلى ، أتباع الجهم بن صفوان ، والجعد بندرهم ، ذلك أنهم قد ردوا كل الأحاديث التى تخبرنا بصفات الله تعالى كحديث نزول ربنا سبحانه وتعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة ، والمجئ لفصل القضاء يوم القيامة ، وأحاديث رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة فى الجنة.
وكان ردهم ما بين رد إجمالى أو رد تفصيلى : إجمالى بمعنى أنهم أنكروا أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال هذه الأحاديث أصلاً ، ورد تفصيلى بمعنى أنهم قد يقبلون أن يكون الرسول قد قالها ولكنهم بعدما يقبلون إسنادها فإنهم ينكرون معناها ويؤولونها إلى معانٍ أخرى غير ما يفهم منها شرعاً ولغة وعرفاً.
ولا شك أن هؤلاء الجهمية المعطلة المنكرين لأسماء الله وصفاته قد سلكوا مع القرآن نفس ما سلكوه مع السنة من حيث فساد التأويل وبطلان التفسير ، وإن لم يستطيعوا أن ينكروا آيات القرآن الكريم خوفاً من الحكم عليهم بالردة ، فاكتفوا بأن يؤولوا آيات الأسماء والصفات على غير معناها ، أما سلوكهم مع الأحاديث فقد كان أكثر شراسة وأسوأ مذهباً حيث ردوا أحاديث بعينها رداً كاملاً ، إسناداً ومتناً.
ثم يستمر مسلسل إنكار السنة مع فرقة أخرى ألا وهى المعتزلة ، المتكلمة ، الذين خلطوا دين الإسلام بدين اليونان وخرجوا علينا بدين جديد لا نعلمه ، هو أقرب لتعاليم أرسطوا منه إلى أوامر محمد بن عبد الله. دين جعلوا فيه العقل غالب وحاكم على الشرع فقالوا :
- العقل فوق النقل ، والعقل مناط التكليف. وأى حديث يخالف العقل لا نقبله.
فما كان منهم إلا أن تعرضوا للسنة بالجحود والإنكار وخاض خلفهم فيما خاض فيه سلفهم ، فردوا أحاديث الرؤية رغم أنه قد بلغنا عن حوالى ثلاثين صحابياً.
وهم أول من أصل أصلاً فاسداً وسن فى الإسلام سنة سيئة ألا وهى ردهم لأحاديث الآحاد فى العقائد. وبقيت فى الأمة هذه البدعة حتى يومنا هذا ، يدين بها عدد كبير من العلماء - ولا حول ولا قوة إلا بالله - أذكر منهم على سبيل المثال فى السابقين فخر الدين الرازى رغم علمه ومكانته ، ومن المعاصرين الشيخ محمد الغزالى رغم جهاده لنصرة الدين وشهرته.
ولا زلنا مع المعتزلة نشير سريعاً إلى ما قاموا به من جهد دؤوب فى إنكار السنة ، الأمر الذى بلغ بهم حداً من التطاول وسوء الأدب مع الله ورسوله فهذا عمرو بن عبيد شيخ المعتزلة ، عندما روى الأعمش حديثاً عن بعض صفات الله قال : لو قابلت الأعمش لقلت له أنت كذاب ، ولو لقيت رسول الله لرددته عليه ولو لقيت الله لقلت له : ما على هذا أخذت الميثاق منا.
فانظر وتأمل وتدبر إلى أى درك بلغه هؤلاء عندما أنكروا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعندما ظهرت فرقة القدرية ، فى أواخر عصر الصحابة ، وقالوا أنه لا قدر ، وأن الأمر أُنُف ، أى مستأنف ، وقالوا على الله - بغير علم - أشياء هى من قبيل الكفر البواح ، ذلك أن نفيهم للقدر هو نفى لعلم الله الشامل المحيط السابق على وجود الأشياء ، وهو وصف لله بالجهل وعدم العلم سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً ، أقول : عندما ظهر هؤلاء استوجبت عليهم بدعتهم أن يردوا من أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم ما لا يتوافق مع بدعتهم ، فأنكروا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من أحاديث تؤكد على القدر ووجودب الإيمان به ، وعلى كونه ركن أصيل من أركان الإيمان فى الإسلام.
خذ مثالاً لبعض الأحاديث التى أنكروها ما رواه الإمام مسلم فى صحيحه
عن ابن بريدة عن يحيى بن يعمر قال كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين فقلنا لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر فوُفِّق لنا عبدُ الله بن عمر بن الخطاب داخلا المسجد فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي فقلت :
أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرءون القرآن ويتقفرون العلم وذكر من شأنهم وأنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أُنُف . قال : فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر .
ثم قال : حدثني أبي عمر بن الخطاب قال بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يُرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه
وقال : يا محمد أخبرني عن الإسلام ،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً " .
قال - أى جبريل- : صدقت .
قال - أى عمر - : فعجبنا له يسأله ويصدقه ،
قال - أى جبريل - : فأخبرني عن الإيمان .
قال - صلى الله عليه وسلم - : "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره " .
قال - أى جبريل - : صدقت . قال : فأخبرني عن الإحسان .
قال - صلى الله عليه وسلم - : "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك "
قال - أى جبريل - : فأخبرني عن الساعة .
قال - صلى الله عليه وسلم - : "ما المسئول عنها بأعلم من السائل ".
قال - أى جبريل - : فأخبرني عن أمارتها .
قال - صلى الله عليه وسلم - : " أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان ".
قال - أى عمر - : - ثم انطلق فلبثت مليا .
ثم قال لي - صلى الله عليه وسلم - : " يا عمر أتدري من السائل ؟"
قلت : الله ورسوله أعلم .
قال - صلى الله عليه وسلم - : فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم ".
هذا الحديث العظيم الجليل الذى يعد فهرس الإسلام ، وأصل أصوله وعليه مدار الدين ، رده القدرية لأنه يذكر أن القدر ركن من هذا الدين العظيم.