الرئيسية » مصطلح الحديث » من مآخذنا على المستشرقين

من مآخذنا على المستشرقين

 

لقد اسفرت المناقشة العلمية الموضوعية لمن انتقد المحدثين عن فشلهم في مطاعنهم التي وجهت إلى منهج المحدثين النقدي، بل إنها زادته قوة وثباتاً، على حين كشفت أهداف الطاعنين وزيف بهارجهم المصطنعة،وكشفت اختلال منهجهم العلمي من وجوه كثيرة نلخص منها ههنا:

-1 وضع النصوص في غير موضعها، وتحميلها مالا تطيقه ألفاظها ولا يستمد من معانيها.

-2 اعتمادهم على نصوص مفردة متقطعة عما ورد في موضوعها مما يوضح المراد منها ويبينه، وذلك كثير في أبحاثهم. ومنه استدلال تسيهر على أن تصنيف الحديث تأخر إلى القرن الثالث بما ورد عن الإمام أحمد أنه قال في سعيد بن أبي عَرُوبَة ( 156هـ): (( هو أول من صنف الأبواب بالبصرة… لم يكن له كتاب إنما كان يحفظ” فاستدل بقوله:”لم يكن له كتاب” على أنه لم يؤلف كتاباً )). مع أن المحدثين يستعملون هذا في الدلالة على أن المحدث حافظ متين الحفظ لا يعتمد على الكتاب في روايته للحديث. وهذا لا يدل على أن المحدث لم يصنف كتاباً من محفوظاته، وهو يصرح في أول كلمته بأنه صنف، والشواهد على ذلك كثيرة في ترجمة سعيد من كتب الرجال.

-3 أنهم يعولون على مصادر ليست في مستوى البحث العلمي، مثل كتاب “الأغاني” لأبي

الفرج الأصبهاني، وهو ليس كتاباً علمياً، ولا كتاب حديث، إنما يعتمد عليه في الأدب والفكاهات، ثم هو صاحب بدعة تحمله على الطعن في أئمة الإسلام، ومع ذلك فلم يبال ناقد منهج المحدثين أن يستشهد به في الحط من قدر إمام جليل، كالإمام مالك بن أنس.

-4أنهم يوردون مقدمات جزئية ضعيفة ثم يبنون عليها نتائج ضخمة فضفاضة لا تناسب تلك المقدمات ولا تنتج منها.

ونتخذ هنا حديث الهروي المختلق في ذم الشافعي ومدح أبي حنيفة مثالاً لذلك.

هذا الحديث زعم الناقد أنه درج في الناس وغفل المحدثون عنه، بينما هو أشهر في بيان وضعه من نار على عَلم. ولو فرضنا أن باحثاً وجد حديثاً ضعيفاً جاز على بعض المحدثين فهل يدل ذلك على فضل منهج النقد من أساسه؟ كلا! فإن القانون كثيراً ما يكون سليماً ثم تأتي الآفة من تصرف بعض العاملين به أو من ذهوله. فهذا لو تحقق إنما يكون سهواً من المحدث الذي جاز عليه الحديث، وأي علم في الدنيا لم يتعرض عالم من علمائه للنقد في بعض بحثه، ثم لم يكن ذلك مسقطاً لذلك العلم ولا لذلك العالم ولا لذلك العالم، إلا إذا كثر منه ذلك فانه تكون أخطاؤه محسوبة عليه تضعف الثقة به، ويبقى بنيان العلم شامخاً.

-5 إغفال الحقائق التي تخالف استنتاجاتهم وتبطلها. ومن ذلك أن جولد تسيهر حكم بالوضع على الرواية الصحيحة: ” أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى ابن حزم أن يدون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم “.

قال تسيهر: (( إن هذا الخبر بعينه فيه نظر، فلم يرو عن مالك إلا في رواية واحدة من روايات الموطأ هي رواية الشيباني، وقد تلقف هذا الخبر الواحد علماء الحديث المتأخرون فكان منطلقاً لهم، ورَوَّجوا له، وهذا الخبر ليس إلا تعبيراً عن الرأي الحسن السائد حول الخليفة الورع وحبه للسنة)) (1).

قال الأستاذ فواد سيزكين يتعقب ذلك (2):

(( ولكن لا يجوز لنا أن نبادر فنزعم أن هذا الخبر الذي ورد في الموطأ برواية الشيباني تلميذ مالك لا يعكس إلا حسن رأي المتأخرين [ في عمر ]، فليست كل روايات الموطأ بين أيدينا فنحكم بعدم ورود هذا الخبر إلا في رواية واحدة، وفوق هذا فجولد تسيهر يعلم أن هذا الخبر وارد كذلك في سنن الدرامي هذا وقد ذكره كل من ابن سعد والبخاري!!)) . اهـ.

على أنه لو سلم لتسيهر دعواه أن التفرد بالشيء يبطله فإنه يؤدي إلى بطلان أمور كثيرة أتى بها في كتبه وأبحاثه هي لباب مقاصده فيها، فهل يقبل أن ينسحب حكمه هذا عليه؟!.

__________________________

جولد تسيهر. GOLDZIHEL , MUP, STUD. 11, 211

في كتاب تاريخ التراث العربي:1 : 1: 226.

-6 يقول الأستاذ فؤاد سيزكين: “هذا ونرى لزاماً علينا أن ننه إلى أن جولد تسيهر لم يدرس كتب علم أصول الحديث دراسة شاملة رغم أنه عرف قسماً منها كان ما يزال مخطوطاً في ذلك الوقت. وفوق هذا فيبدو لنا أنه لم ينظر رغم كثرة مصادره إلى بعض المعلومات في سياقها وفي ضوء ظروفها، ويبدو لنا كذلك أنه لم يصب في فهم المواضع التي قد تعطي لأول وهلة دلالة تختلف عن معناه الحقيقي اختلافاً أساسياً(1).

ويقول سيزكين أيضاَ: “أن جولد تسيهر على تضلعه في اللغة العربية قد أساء فهم بعض المعلومات الواردة في كتب الحديث وضرب بهذا منذ البداية في اتجاه خاطىء” (2).

ونحن لا نتعرض لواقع الخطأ في فهم النصوص أو في الأخذ المقتطع للنص عما يكمله أو النقل المحرف، ولا نود الخوض في اسباب ذلك ودوافعه، لكن نجد أنه لزام علينا إزاء ذلك أن نصرح بأن هذا الواقع يجعلنا عاجزين عجزاً تاماً كاملاً عن الاعتماد على شيء من نظريات المستشرقين وأبحاثهم هم وأتباعهم الذين يعتمدون عليهم.

ونسجل في النهاية هذه النتائج العامة في هذا العلم العظيم:

-1 أهمية الهدف الجليل الذي نشأ من أجله علم مصطلح الحديث، أو علوم الحديث، وهو صيانة الحديث النبوي الذي هو أعظم المصادر الإسلامية بعد كتاب الله.

-2 أن الأمة الإسلامية قد عُنِيَت بتحقيق هذا الهدف منذ أول عهدها بالرواية، وأهم قوانين الرواية التي اتبعوها.

-3 أن القواعد العلوم الحديث، قواعد نقد شاملة تدرس جوانب الحديث كلها دراسة تامة دقيقة، وإن كانت في مصادر هذا العلم مفرقة فيما يبدو.

-4 إن قواعد علوم الحديث ترتبط في مجموعها برباط وحدة الهدف ارتباطاً يشكل منها نظرية نقدية ومنهجاً علمياً كاملاً، يقوم على أساس بَدَهي مُسلَّم به تتفرع عنه أصول البحث النقدي.

وإذا كان السابقون لم يقوموا بمثل تلك الصياغة في تآليفهم فان تعليقاتهم على فوائد كل نوع من هذا العلم وعلى قواعده التي أوضحناها في مواطنها توضح تعلقهم بها ووضوح أساسها لديهم، وقد جاء كتابنا هذا يعبر عن هذا المنهج النقدي المتكامل الشامل تعبيراً نرجو أن يكون قوياً واضحاً موفقاً بفضله تعالى.

_________________

المرجع السابق.

المرجع السابق: 225.

-5 أن جهود المحدثين في حقل تطبيق هذا المنهج النقدي العظيم قد بلغت الغاية في الوصول إلى الهدف المنشود، وهذه تصانيفهم الكثيرة في أنواع الحديث، ما اختص منها بالصحيح، وما جمع إليه الضعيف، أو اختص بالموضوع، أو بنوع مستقل من علوم الحديث الأخرى كالمرسل والمدرج،.. هذه التصانيف برهان عملي على مدى ما بلغوه من العناية في تطبيق هذا المنهج حتى أدّوْا إلينا تراث النبوة صافياً نقياً.

ولقد كان حقاً ما شهد به العلماء من تحقيق هذا الغرض العظيم. فقال عبد الله بن المبارك حين سئل: هذه الأحاديث الموضوعية؟ فقال: “تعيش لها الجهابذة، إنا نحن نزلنا الذِّكر وإنا له لحافظون”..

وكان حقاً ما قال ابن خزيمة: (( ما دام أبو حامد بن الشرقي في الأحياء لا يتهيأ لأحد أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم )). وقال أيضاً : (( حياة أبي حامد بن الشرقي تحجب بين الناس وبين الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم)) .

وقال الدارقطني: (( يا أهل بغداد لا تظنوا أن أحداً يقدر يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا حي)).

ورحم الله الإمام الثوري حيث قال: (( الملائكة حراس السماء، ,اصحاب الحديث حراس الأرض )).

أجل والله، ولنعم الحراس الأمناء كانوا، تحقق بهم الوعد الالهي بحفظ هذه الملة، وجرت على أيديهم هذه المكرمة التي اختص الله تبارك وتعالى بها هذه الأمة. رضي الله عنهم وأجزل مثوبتهم، وسلك بنا من محض فضله سبيلهم.

وأخيراً، لا بد أن أشيد بالشكر لمن كرر عليَ الطلب وأكد من إخواني الكرام أن أكتب في هذا الفن الجليل، ذاكراً أثره في توجيه همتي لصياغة أفكاري وخطتي في هذا الكتاب أرجو الله تبارك وتعالى أن يمن بقبوله، وأن لا يخيب من أحسن بي ظنه، وأن يفر لي وله.

وأحمد الله تعالت صفاته، وتباركت أسماؤه، وأثني عليه كما هو أهله، وأسأله المزيد من فيض فضله، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى إخوانه من النبيين والمرسلين وآل كل صحبه وسلم تسليماً.

اقرأ ايضاً!

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عــلم الحـديث

عــلم الحـديث بيان بعض الكلمات المصطلح عليها في علم الحديث هذه الكلمات يكثر المحدثون من ...