الغيبة

الغيبة

أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا

عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال “أتدرون ما الغيبة؟

قالوا اللَّه ورسوله أعلم.

قال إذا ذكرت أخاك بما يكره فقد اغتبته.

قيل: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟

قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته  وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته”

يعني قلت فيه بهتانا.

ذكر عن بعض المتقدمين أنه قال: لو قلت إن فلانا ثوبه قصير أو ثوبه طويل يكون غيبة فكيف إذا ذكرت عن نفسه

و روى  أن امرأة قصيرة دخلت على النبي صلى اللَّه عليه وسلم فلما خرجت , قالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها ما أقصرها فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم اغتبتيها. قالت عائشة ما قلت إلاّ ما فيها. قال: ذكرت أقبح ما فيها”

عن أبي سعيد الخدري رضي اللَّه تعالى عنه أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال: “ليلة أسرى بي إلى السماء مررت بقوم يقطع اللحم من جنوبهم ثم يلقمونه

ثم يقال لهم كلوا ما كنتم تأكلون من لحم أخيكم،

فقلت يا جبريل: من هؤلاء؟

قال : هؤلاء من أمتك الهمازون اللمازون” يعني المغتابين.

“كان النبي صلى اللَّه عليه وسلم في المنزل وأصحابه في المسجد من أهل الصُفَّة وزيد بن ثابت يحدثهم بما سمع من النبي صلى اللَّه عليه وسلم من الأحاديث

فأتى النبي صلى اللَّه عليه وسلم بلحم

فقالوا لزيد بن ثابت : ادخل على النبي صلى اللَّه عليه وسلم وقل إنا لم نأكل اللحم منذ كذا وكذا لكي يبعث إلينا بشيء من ذلك اللحم،

فلما قام زيد بن ثابت من عندهم قالوا فيما بينهم : إن زيدا قد لقي النبي صلى اللَّه عليه وسلم مثل ما لقينا فكيف يجلس ويحدثنا؟

فلما دخل زيد على النبي صلى اللَّه عليه وسلم وأدّى الرسالة قال النبي صلى اللَّه عليه وسلم قل لهم : قد أكلتم اللحم الآن،

فرجع إليهم وأخبرهم به

قالوا :والله ما أكلنا اللحم منذ كذا،

فرجع إليه وأخبره

فقال :إنهم قد أكلوا الآن

فرجع إليهم وأخبرهم فقاموا فدخلوا على النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقال لهم الآن قد أكلتم لحم أخيكم وأثر اللحم في أسنانكم فابزقوا حتى تروا حمرة اللحم، فبزقوا الدم فتابوا ورجعوا عن ذلك واعتذروا إليه”.

وروى جابر بن عبد اللَّه رضي اللَّه تعالى عنهما قال “هاجت ريح منتنة على عهد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم: إن ناسا من المنافقين قد اغتابوا أناسا من المسلمين فلذلك هاجت هذه الريح المنتنة”.

وروى أسباط عن السدي قال: “كان سلمان الفارسي في سفر مع أناس وفيهم عمر رضي اللَّه تعالى عنه فنزلوا منزلا فضربوا خيامهم وصنعوا طعامهم ونام سلمان،

فقال بعض القوم : ما يريد هذا العبد إلاّ أن يجيء إلى خيام مضروبة وطعام مصنوع؟

ثم قالوا بعد ذلك لسلمان : انطلق إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم فالتمس لنا إداما نأتدم به،

فأتى النبي صلى اللَّه عليه وسلم فأخبره

فقال النبي صلى اللَّه عليه وسلم: أخبرهم أنهم قد ائتدموا،

فأخبرهم بذلك فقالوا :ما طعمنا بعد، وما كذب النبي صلى اللَّه عليه وسلم عليكم فأتوه؟

فقال لهم النبي صلى اللَّه عليه وسلم: قد ائتدمتم من صاحبكم حين قلتم ما قلتم وهو نائم ثم قرأ عليهم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} يعني معصية.

وروى عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما في هذه الآية {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً}

قال: نزلت في رجلين من أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم،

وذلك أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم ضم مع كل رجلين غنيين في السفر رجلاً من أصحابه قليل الشيء ليصيب معهما من طعامهما ويتقدمهما في المنازل ويهيئ لهما المنزل وما يصلح لهما وقد كان ضم سلمان إلى رجلين، فنزل منزلا من المنازل ذات يوم ولم يهيئ لهما شيئاً

فقالا له اذهب إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم فسل لنا فضل إدام؟

فانطلق ,  فقال أحدهما لصاحبه حين غاب عنهما إنه لو انتهى إلى بئر كذا لقلّ الماء

فلما انتهى إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وبلغه الرسالة

قال النبي صلى اللَّه عليه وسلم: قل لهما قد أكلتما الإدام،

فأتاهما فأخبرهما فأتياه فقالا ما أكلنا من إدام؟

فقال : إني لأرى حمرة اللحم في أفواهكما،

فقالا : لم يكن عندنا شيء وما أكلنا لحما اليوم،

فقال لهما: إنكما اغتبتما أخاكما، ثم قال لهما أتحبان أن تأكلا لحما ميتا؟

فقالا: لا،

فقال لهما : فكما كرهتما أن تأكلا لحما ميتا فلا تغتابا فإنه من اغتاب أخاه فقد أكل لحمه فنزلت {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً}.

وروى عن الحسن البصري أن رجلاً قال: إن فلانا قد اغتابك فبعث إليه طبقا من الرطب وقال بلغني أنك أهديت إليّ حسناتك فأردت أن أكافئك عليها فاعذرني فإني لا أقدر أن أكافئك بها على التمام.

وذكر عن أبي أمامة الباهلي رضي اللَّه تعالى عنه أنه قال:

إن العبد ليعطي كتابه يوم القيامة فيرى فيه حسنات لم يكن عملها

فيقول يا رب : من أين لي هذا؟

فيقول هذا بما اغتابك الناس وأنت لا تشعر

وروى أنس بن مالك رضي اللَّه تعالى عنه عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أنه قالأربع يفطرن الصائم وينقضن الوضوء ويهدمن العمل: الغيبة، الكذب، والنميمة، والنظر إلى محاسن المرأة التي لا يحل له النظر اليها، وهن يسقين أصول الشر كما يسقي الماء أصول الشجر، وشرب الخمر يعلو الخطايا“.

قال سفيان بن الحصين: كنت جالسا عند إياس بن معاوية فمرّ رجل فنلت منه

فقال : اسكت

ثم قال لي سفيان هل غزوت الروم؟

قلت لا

قال هل غزوت الترك؟

قلت لا

قال سلم منك الروم وسلم منك الترك ولم يسلم منك أخوك المسلم.

قال: فما عدت إلى ذلك بعد.

وعن يحيى بن معاذ الرازي قال: ليكن حظ المؤمن منك ثلاث خصال لتكون من المحسنين:

أحدهما أنك إن لم تنفعه فلا تضره.

والثاني إن لم تسره فلا تغمه.

والثالث إن لم تمدحه فلا تذمه.

وذكر عن مجاهد أنه قال: إن لابن آدم جلساء من الملائكة،

فإذا ذكر أحدهم أخاه بخير

قالت الملائكة: له ولك مثله،

وإذا ذكر أحدهم أخاه بسوء

قالت الملائكة: يا ابن آدم كشفت المستور عليه عورته ارجع إلى نفسك واحمد اللَّه الذي ستر عليك عورتك.

قال بعض الحكماء: إن ضعفت عن ثلاث فعليك بثلاث.

إن ضعفت عن الخير فأمسك عن الشر.

وإن كنت لا تستطيع أن تنفع الناس فأمسك عنهم ضرك،

وإن كنت لا تستطيع أن تصوم فلا تأكل لحوم الناس.

و قد تكلم العلماء في توبة المغتاب هل تجوز من غير أن يستحل من صاحبه! قال بعضهم يجوز، وقال بعضهم لا يجوز ما لم يستحل من صاحبه، وهو عندنا على وجهين:

إن كان ذلك القول قد بلغ إلى الذي اغتابه :فتوبته أن يستحل منه

وإن لم تبلغ إلى صاحبه تلك الغيبة :فتوبته أن يستغفر اللَّه تعالى ويتوب إليه ولا يخبر صاحبه فهو أحسن لكيلا يشتغل قلبه به

ولو أنه قال بهتانا لم يكن ذلك فيه :فإنه يحتاج إلى التوبة في ثلاثة مواضع،

أحدها أن يرجع إلى القوم الذين تكلم بالبهتان عندهم ويقول إني قد ذكرت عندكم فلانا بكذا وكذا فاعلموا أني كاذب في ذلك.

والثاني أن يذهب إلى الذي قال عليه البهتان ويطلب منه أن يجعله في حل.

والثالث أن يستغفر اللَّه تعالى ويتوب إليه فليس شيء من الذنوب أعظم من البهتان، فإن سائر الذنوب يحتاج إلى توبة واحدة وفي البهتان يحتاج إلى التوبة في ثلاثة مواضع، وقد قرن اللَّه تعالى البهتان بالكفر فقال تعالى {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ}

و يقال الغيبة على أربعة أوجه:

في وجه هي كفر، وفي وجه هي نفاق، وفي وجه هي معصية، والرابع مباح وهو مأجور.

فأما الوجه الذي هو كفر فهو أن يغتاب المسلم فيقال له لا تغتب فيقول ليس هذا غيبة وأنا صادق في ذلك فقد استحل ما حرم اللَّه تعالى ومن استحل ما حرم اللَّه تعالى صار كافرا نعوذ بالله.

وأما الوجه الذي هو نفاق فهو أن يغتاب إنساناً فلا يسميه عند من يعرف أنه يريد منه فلانا فهو يغتابه ويرى من نفسه أنه متورع فهذا هو النفاق.

وأما الذي هو معصية فهو أن يغتاب إنسانا ويسميه ويعلم أنها معصية فهو عاص وعليه التوبة.

والرابع أن يغتاب فاسقا معلنا بفسقه أو صاحب بدعة فهو مأجور لأنهم يحذرون منه إذا عرفوا حاله. وروى عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال “اذكروا الفاجر بما فيه لكي يحذره الناس”.

والله تعالى أعلم.‏

اقرأ ايضاً!

x

‎قد يُعجبك أيضاً

النفقة على العيال

النفقة على العيال      من سعى على عياله ليعفهم فهو في سبيل الله   ...