العجب

العجب

( كفى بالمرء علما أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلا أن يعجب بعمله )

قال عبد اللَّه بن مسعود رضي اللَّه عنه: النجاة في اثنتين التقوى والنية، والهلاك في اثنتين القنوط والإعجاب.

وعن وهب بن منبه رضي اللَّه تعالى عنه أنه قال:

كان فيمن كان قبلكم رجل عبد اللَّه سبعين سنة يفطر من سبت إلى سبت فطلب إلى اللَّه حاجة فلم يعطها

فأقبل على نفسه وقال لو كان عندك خير قضيت حاجتك مما أتيت من قبلك،

فنزل عليه ملك من ساعته فقال يا ابن آدم إن ساعتك التي ازدريت نفسك فيها خير من عبادتك التي قد مضت.

وقال الشعبي رضي اللَّه تعالى عنه: كان رجل إذا مشى أظلته سحابة

فقال رجل لأمشين في ظله،

فأعجب الرجل بنفسه فقال مثل هذا يمشي في ظلي،

فلما افترقا ذهب الظل مع ذلك الرجل الآخر.

وعن عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه قال: إن من صلاح توبتك أن تعرف ذنبك، وإن من صلاح عملك أن ترفض عجبك، وإن من صلاح شكرك أن  تعرف تقصيرك.

وذكر عن عمر بن عبد العزيز رضي اللَّه تعالى عنه أنه كان إذا خطب فخاف العجب قطع، وإذا كتب فخاف العجب مزق وقال اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي.

وعن مطرّف بن عبد اللَّه قال: لأن أبيت نائما وأصبح نادما أحب إليّ من أن أبيت قائما وأصبح معجبا.

وذكر أن شابا من بني إسرائيل رفض دنياه واعتزل عن الناس وجعل يتعبد في بعض النواحي، فخرج إليه رجلان من مشايخ قومه ليردّاه إلى منزله

فقالا له : يا فتى أخذت بأمر شديد لا تصبر عليه

فقال الشاب : قيام الناس بين يدي اللَّه أشدّ من قيامي هذا

فقالا له : إن لك أقرباء فعبادتك فيهم أفضل

فقال الشاب : إن ربي إذا رضي عني أرضى عني كل قريب وصديق

فقالا له : أنت شاب لا تعلم  وإنا قد جرّبنا هذا الأمر ونخاف عليك العجب

فقال الشاب : من عرف نفسه لم يضره للعجب

فنظر أحدهما إلى صاحبه فقال: قم فإن الشاب قد وجد ريح الجنة فلا يقبل قولنا.

وذكر في الخبر أن داود صلوات اللَّه عليه وسلامه خرج إلى ساحل فعبد ربه سنة، فلما تمت السنة قال يا رب : قد انحنى ظهري وكلت عيناي ونفدت الدموع فلا أدري إلى ماذا يصير أمري؟

فأوحى اللَّه تعالى إلى ضفدع أن أجب عبدي داود عليه السلام،

فقالت الضفدع يا نبيّ اللَّه أتمنّ على ربك في عبادة سنة ؟!

والذي بعثك بالحق نبيا إني على ظهر برية منذ ثلاثين سنة أو سنين أسبحه وأحمده وإن فرائصي ترعد من مخافة ربي، فبكى داود عليه الصلاة والسلام عند ذلك.

وذكر أن هذه القصة كانت لموسى عليه السلام بعد ما قتل قتيلا.

من أراد أن يكسر العجب فعليه بأربعة أشياء:

أوّلها: أن يرى التوفيق من اللَّه تعالى فإذا رأى التوفيق من اللَّه تعالى  فإنه يشتغل بالشكر ولا يعجب بنفسه،

والثاني أن ينظر إلى النعماء التي أنعم اللَّه بها عليه فإذا نظر في نعمائه اشتغل بالشكر عليها واستقلّ عمله ولا يعجب به

والثالث أن يخاف أن لا يتقبل منه فإذا اشتغل بخوف القبول لا يعجب بنفسه

والرابع أن ينظر في ذنوبه التي أذنب قبل ذلك، فإذا خاف أن ترجح سيئاته على حسناته فقد قلّ عجبه، وكيف يعجب المرء بعمله ولا يدري ماذا يخرج من كتابه يوم القيامة وإنما يتبين عجبه وسروره بعد قراءة الكتاب.

عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما أنه قال: كنت أسمع قول اللَّه تعالى {هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِي} ولم أدر لمن قالها،

حتى دخل كعب رحمه اللَّه تعالى على عمر رضي اللَّه تعالى عنه ونحن عنده، فقال: يا كعب حدثنا ولا تحدثنا إلا بحديث يشبه كتاب اللَّه تعالى؟

فقال كعب رحمه اللَّه تعالى:

إن اللَّه يبعث الخلائق يوم القيامة في قاع أفيح يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، ثم يدعى كل قوم بإمامهم: يعني بمعلمهم الذي يعلمهم الهدى أو الضلالة،

فيدعى بإمام الهدى قبل أصحابه فيتقدم فيعطى كتابه بيمينه وقد أخفيت سيئاته فهو يقرؤه بينه وبين نفسه لكيلا يقول بعملي دخلت الجنة وقد بدت حسناته للناس فهم يقرءونها حتى إنهم يقولون طوبى لفلان ما ظهر له من الخير

فيقرأ سيئاته في نفسه حتى يقول في نفسه قد هلكت فيجد في آخره إني قد غفرت لك، فيتوّج بتاج من نور يسطع ضوؤه،

ثم يقال له اذهب إلى أصحابك فبشرهم بأن لكل منهم مثل مالك،

فإذا أقبل نظر إليه أهل الوادي فليس  واحد منهم إلا وهو يقول اللهم اجعله منا اللهم ائتنا به ثم يأتي أصحابه فيقول:

هاؤم اقرؤا كتابيه_ فقد غفر لي، فأبشروا فإن لكل رجل منكم مالي

وإذا كان إمام الضلالة دعى به فإذا قام أعطى كتابه فإذا تناوله بيمينه غلت يمينه إلى عنقه فيتناوله بشماله فيجعل شماله من وراء ظهره فيلوى عنقه

ويقرأ حسناته بينه وبين نفسه لكيلا يقول حفظت سيئاتي ولم تحفظ حسناتي فيقول عملت كذا فجازيتك بما عملت، وهكذا حتى يستوفي حسناته

وسيئاته ظاهرة للناس يقرؤنها حتى يقولوا ويل لفلان ما ظهر له من الشر”

حتى إذا فرغ من صحيفته وجد في آخرها {وَإِنَّهُ حَقَّ عَليكَ كَلِمَة العذَاب} يعني وجب عليك العذاب فيسودّ وجهه كقطع الليل المظلم فيتوّج بتاج من النار يسطع دخانه

ثم يقال له ائت أصحابك فبشرهم فإن لكل واحد منهم مثل هذا

فإذا أقبل رآه أهل الوادي فقال كل واحد منهم اللهم لا تجعل هذا منا اللهم لا تأتنا به فلا يمرّ بقوم إلا لعنوه، ثم يأتي أصحابه فإذا رأوه لعنوه وتبرءوا منه فلعنهم هو كما قال اللَّه تعالى {ثُمَّ يَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً} فيقول لهم أبشروا فإن لكل واحد منكم مثل هذا.

وعن مسروق رحمه اللَّه تعالى قال: كفى بالمرء علما أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلا أن يعجب بعمله.

وعن مجاهد رحمه اللَّه أنه قال: بعث سعيد بن العاص قوما يثنون عليه عند عثمان رضي اللَّه تعالى عنه فقام المقداد فحثا في وجوههم التراب وقال سمعت رسول الله صلى اللَّه عليه وسلم يقول” احثوا التراب في وجوه المدّاحين”.

اقرأ ايضاً!

x

‎قد يُعجبك أيضاً

النفقة على العيال

النفقة على العيال      من سعى على عياله ليعفهم فهو في سبيل الله   ...